[ ١ / ٥٢٢ ]
عبارة عن اللفظ الدال بالإضافة على مدلوله، غير مقبول من غيره، ولا مستغنى [عنه]. وقد ذهب بعض الناس إلى إنكار المجاز في القرآن. وذهب المحققون إلى اشتمال (٣٧/أ) القرآن عليه.
ويمكن أن يكون المنكر، إنما أنكر المجاز في القرآن، على معنى الخلف والكذب، فقد يطلق لفظ المجاز على الباطل، فيقال: هذا القول مجاز لا حقيقة له. والظاهر خلاف ذلك.
وسبب خيالهم في ذلك، أن المجاز إنما يصار إليه لضرورة أو حاجة، وهو خلاف الفصاحة. وليس الأمر على ما تخيلوه. ورب مجاز لا تقوم الحقيقة مقامه. وقد عد من أقسام الكلام الفصيح البليغ، التجوز، كقوله تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾. وكيف ينكر ذلك، وفي كتاب الله
[ ١ / ٥٢٣ ]
تعالى: ﴿يريد أن ينقض﴾. ﴿ويمكرون ويمكر الله﴾. ﴿أحاط بهم سرادقها﴾. و﴿كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله﴾. إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة.
والمجاز: ما تجوز به عن أصل موضوعه. وذلك لأسباب: إما لمشاركته إياه في التعيين، وإما لملازمته إياه غالبا، كتسمية الغائط والعذرة. وإما لكونه من أثره، كقولهم: انظر إلى قدرة الله، يعني الثبات، لأنه من أثر قدرة الله، ودليل عليها.
وهو على ثلاثة أنواع:
[ ١ / ٥٢٤ ]
أحدها- إطلاق الاسم على غير ما سمي به في أصل الوضع، فتكثر المسميات بعد أن كانت قليلة، كتسمية الرجل الشجاع أسدا، والجواد بحرا.
الثاني- الزيادة التي لا تفيد، كقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾. فإن (الكاف) وضع للإفادة، وهو ههنا غير مفيد، ولو جرى على حقيقته، لأثبت مثلا، ونفى التشبيه عنه، وهو محال.
الثالث- النقصان الذي لا يمنع فهم المعنى، ولا يلبس، كقوله تعالى: ﴿وسئل القرية﴾. ﴿والعير﴾. ولا يجوز: سل زيدا، وأنت تريد غلامه، إلا في الشعر. وهذا النقصان اعتادته العرب، فهو توسع وتجوز. فإن قيل: لم قضي على هذه الأضرب بكونها مجازا، وهي منطوق بها عند أهل اللسان؟ قلنا: هذا معلوم ضرورة، كما أن العرب سمت عمرا مخصوصا، وآخر زيدا. وكذلك نعلم الأسماء الدالة بالإضافة أو التجوز.
[ ١ / ٥٢٥ ]
وطريق معرفة ذلك: النقل المتواتر، إما صريحا، وإما استقراء، وهو طريق معرفة أوضاع اللغة، وليس [للقياس] في ذلك مجال. وقد ذكر بعض الأصوليين طرقا لمعرفة الفرق:
إحداها- أن الحقيقة جارية على العموم، إذ قولنا: عالم، لما صدق على عالم، صدق على ذي علم، ﴿وسئل القرية﴾ يصح في بعض الجمادات (٤/ب)، ولا يصح في الجميع. وهذا عندنا غير صحيح. فأما اطراد الحقيقة، فغير صحيح، فإنا قد بينا أن بعض الألفاظ الحقيقية مختصة. وأما أسماء الفاعلين والمفعولين، فقد تبين من العرب طردها. وقد يطرد بعض المجاز، فإن كل كريم [سمي] بحرا، وكل شجاع [سمي] أسدا.
[ ١ / ٥٢٦ ]
الطريق الثاني: أنه قال: يعرف المجاز بامتناع الاشتقاق منه، إذ (الأمر) إذا استعمل في الأمر حقيقة، اشتق منه (أمر)، فإذا استعمل في الشأن، لم يشتق منه (أمرا). وهذا أيضا ضعيف، لأن (الأمر) قد يكون مصدر (أمر) فليشتق منه لذلك، وقد يكون اسما للحال، كزيد وعمرو، فامتنع الاشتقاق لذلك.
الثالث: أن تختلف صيغ الجمع على الاسم، فيعلم أنه في أحدها [مجاز]، [إذ] الأمر إذا كان بمعنى القول، جمع على أوامر، وإذا كان بمعنى الشأن جمع على أمور. [وهذا] أيضا غير مطرد، فإن صيغة الجمع قد تختلف، فإنك قد تجمع فلا على فعال وفعول (٣٧/ب)، وكل ذلك حقيقة. وقد تجمعه على فعيل، ككليب وعبيد، في جمع كلب وعبد، ولا يدل على أن لفظ (فعل) مجاز في (فلس)، [ولا في (فعل)]، وإن كان (فلس) لا يجمع على فعيل، وإن صح جمع كلب على أكلب، وكذلك يجمع فعيل على فعلاء، كشريف وشرفاء، ويجمع فعيل على فعلان، كقضيب وقضبان، ولا يجمع شريف على شرفان. ولا يدل ذلك على أن اللفظ [مجاز] في أحدهما.
[ ١ / ٥٢٧ ]
الرابع: أنهم قالوا: إذا كان اللفظ له في الأصل الدلالة على تعلق بالغير، فإذا استعمل فيما لا يتعلق له [كان] مجازا. وهذا أيضا لا يفيد، لأنه يفتقر فيه إلى معرفة الوضع، وأنه وضع بالإضافة إلى ذلك المعنى دون غيره، فيثبت عدم الاشتراك والتجوز بمعرفة الوضع.
واعلم أن كل حقيقة لا يلزم أن يكون لها [مجاز]، وأن كل مجاز لابد له من حقيقة. بل ضربان من الكلام لا يدخلهما المجاز، وهما:
[الأول]-[أسماء] الأعلام، [لأنها] وضعت للفرق بين ذات وذات، فلو دخلها المجاز، لبطل هذا الغرض.
الثاني- الأسماء التي تستغرق كل مسمى بأصل الوضع، فلا [تقبل] هذا التجوز، إذ جميع المسميات دلت عليها حقيقة، فكيف يتجوز بها إلى غير مدلولها الأصلي؟
وقد توهم بعض الناس التجوز في الأعلام، واحتج بأنه يقال: قرأت
[ ١ / ٥٢٨ ]