الأولى: من جهة أنها خبريات، فهذا راجع إلى النظريات، وهو من علم العقيدة المسمى: بعلم الكلام. كالعلم بأن الله واحد، وأنهُ يَرى في الآخرة، وأن الجنة والنار مخلوقتان.
فهذه وأمثالها خبريات راجعة إلى الجانب النظري لا العلمي، وبرجوعها إلى جانب
_________________
(١) شرح التلويح ١/ ٢٢ قال: "وخرج العلم بالأحكام الشرعية النظرية وتسمى اعتقادية وأصولية ككون الإجماع حجة والإيمان واجب" وكذا الشنقيطي في نثر الورد.
(٢) طبقات الشافعية ١/ ٣٣٩ حسن المحاضرة ١/ ٥٤٤ والدرر الكامنة ٣/ ٣٦.
[ ٢٦ ]
النظريات دخلت في علم العقائد وخرجت عن علم الفقه؛ لأن الفقه هو تنزيل الأحكام الخمسة على أفعال المكلفين.
والثانية: النظر إلى هذه من جهة أنها إنشائيات متعلقة بعمل قلبي، فقولنا: الجنة والنار مخلوقتان أمرٌ خبري يتعلق به عمل هو: الإيمان بذلك فالإيمان هو عمل القلب، والمحكوم به هو: الوجوب، والحكم (ثبوت وجوب الإيمان بأن الجنة والنار مخلوقتان).
والفقه: إدراك ومعرفة ثبوت ذلك على المكلف بالأدلة التفصيلية بالاستدلال هذا هو إيضاح ما غمض في المسألة في كلام المتقدمين، فالفقه بهذا المعنى المبسط هو: معرفة ثبوت حكم شرعي من الأحكام الخمسة على فعل من أفعال المكلف فمن عرف الأحكام الشرعية وعرف اثباتها وتنزيلها على الواقع الذي هو من فعل المكلف فهو العالم الفقيه.
إذًا: فعلمك بوجوب اعتقاد أن الله واحدٌ فقه، وعلمك أن الله واحد ليس بفقه بل هو من علم الكلام فالمتكلم يثبت الوحدانية، والفقيه يثبت وجوبها هكذا قرروا كاصطلاح وإلا فالفقه الأكبر معرفة الله سبحانه.
وقال العلامة الشربيني: "والحاصل أنه من حيث أنه حكم إنشائي تعلق به الخطاب من الفقه ومن حيث أنه يثبت له الاعتقاد من الكلام. وقد تقرر أن الموضوع للعلمين قد يكون واحدًا والاختلاف بالحيثية فليتأمل" (^١).
وقال السبكي في الإبهاج: " يراد بالحكم الإنشائي لا الخبري وأما وجوب اعتقاد ذلك فهو حكم شرعي إنشائي" (^٢).
وفي منع الموانع: المراد بالحكم الإنشائي لا الخبري، وما لا يثبت إلا بالسمع ينظر
_________________
(١) تقريرات الشربيني على البناني والجلال على الجمع ١/ ٤٤.
(٢) الإبهاج ١/ ٣٦ وسيأتي نقل كلامه. وانظر نفائس الأصول في شرح المحصول (١/ ١٢١)
[ ٢٧ ]
فيه من جهتين:
- إحداهما: أصل ثبوته وذلك ليس بإنشاء لأن السمع فيه مخبر لا منشئ كقولنا "الجنة مخلوقة، والصراط حق".
- والثانية: وجوب اعتقاده وذلك حكم شرعي إنشائي وهو عندنا عمل من مسائل الفقه، وهو داخل في قولنا "الحكم خطاب الله المتعلق بفعل المكلف".