ومن العلماء (الشيرازي) من زاد قيدا آخر هو الفهم الدقيق، وزاد غيره (الرازي) بأنه فهم غرض المتكلم
ولمناقشة ذلك نقول:
١_ تخصيصه بالفهم الدقيق إخراج له عن أصل وضعه اللغوي وملاحظة الوضع الاصطلاحي، فأنت ترى أهل اللسان لم يذكروا هذا القيد.
والذي قيده بهذا القيد هو الإمام الشيرازي في شرح اللمع، كما نبه عليه الإمام القرافي في نفائس الأصول وأقره (^١)، ولم ينتبه الطوفي أنه في شرح اللمع لا في اللمع فقال: ولم أجده في اللمع فلعله في غيره أو في غير مظنته (^٢).
وفي البحر المحيط نسبته إلى أبي إسحاق الشيرازي وصاحب اللباب من الحنفية (^٣).
وقد اطلعت بعد هذا على كلام للإمام الإسنوي في شرحه لمنهاج البيضاوي يرد به كلام الشيرازي مستدلًا بكلام أهل اللسان فقال: "وقال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع، هو فهم الأشياء الدقيقة فلا يقال: فقهت أن السماء فوقنا، وقال الآمدي: هو الفهم.
وهذا هو الصواب، فقد قال الجوهري: الفقه الفهم، تقول: فقهت كلامك بكسر القاف أفقه بفتحها في المضارع أي فهمت أفهم، قال الله تعالى: " فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا " [النساء: ٧٨]. وقال تعالى: " مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ " [هود: ٩١]. وقال تعالى: "وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ " [الإسراء: ٤٤]. ا. هـ كلامه (^٤).
_________________
(١) نفائس الأصول شرح المحصول ١/ ١١٩ - ١٢٠.
(٢) شرح مختصر الروضة للطوفي ١/ ١٣٢.
(٣) البحر المحيط للزركشي ١/ ١٤.
(٤) نهاية السول ١/ ١٥ مع البدخشي وقد ناقشت دليل الامام الشيرازي بأكثر من هذا في كتابنا سبيل الأصول الى إرشاد الفحول يسر الله تمامه.
[ ١٢ ]
ونحوه قال الرهوني في شرحه على المختصر وصحح ما ذهب إليه الأكثر من أن الفقه الفهم (^١). وهذا هو مذهب أكثر الأصوليين غير أبي إسحاق الشيرازي ومن تبعه (^٢).
وقد حقق الطوفي الكلام على المسألة ونقل فيها قول الشيرازي وغيره ثم قال: فقد تحقق بما ذكرته أن الفقه هو الفهم. ا. هـ (^٣).
٢_ وقيده الإمام الرازي بالخطاب فقال: "الفقه في اللغة: فهم غرض المتكلم من كلامه" وتعقب بأنه: "يرد عليه أن المنقول عن اللغة أن الفقه هو مطلق الفهم" (^٤). ا. هـ.
وأصل هذا للإمام أبي الحسن في المعتمد، (^٥) وتبعه في المحصول كما قال الزركشي في البحر ورده، (^٦) ونقل عن ابن دقيق العيد قوله: وهذا تقييد للمطلق بما لا يتقيد به.
ودليل الإمام استعمالها في الخطاب في قوله تعالى: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]. ونحوها من الآيات أي ما نفهم خطابك، وأورد عليه أهل الأصول نحو قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩].
قال في البحر: وهذا لا يختص بالفهم من الخطاب بل عدم الفهم مطلقًا من الأدلة العقلية والسمعية وطرق الاعتبار (^٧). وقال الإمام الهندي: وأما من فسره بأنه عبارة عن فهم غرض المتكلم فقد زاد قيدًا غير معتبر في مفهومه يدل عليه ما أنشدناه من الشعر، وقوله تعالى: "وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ" [الإسراء: ٤٤]. لأنه نفي عنهم فقه تسبيحهم، وتسبيحهم ليس بالكلام على ما هو مذهب المحققين (^٨). ا. هـ، ومن العلماء من قال الفقه
_________________
(١) تحفة المسئول في شرح مختصر منتهى السول ١/ ١٤٦ تحقيق د/ شبيلي.
(٢) شرح الكوكب المنير ١/ ٤٠ حيث نسبه إلى أكثر أهل الأصول.
(٣) شرح مختصر الروضة ١/ ١٣٠
(٤) شرح الكوكب ١/ ٤٠.
(٥) المعتمد ص ٥.
(٦) البحر المحيط ١/ ١٣ - ١٤.
(٧) البحر المحيط ١/ ١٣ شرح مختصر الروضة للطوفي ١/ ١٣٢.
(٨) نهاية الوصول ١/ ١٩.
[ ١٣ ]
لغةً: العلم، كالقاضي أبي يعلي في العدة (^١).
قلت: وهو وارد في كلام العرب كما عرفت مما سقته لك من نقل عن أهل اللسان، لكنه في أصل الوضع اللغوي بمعنى الفهم كما صرح به في اللسان.
إذًا الفقه في اللغة يطلق على:
- الفهم: كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].
- العلم: ومنه قوله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]، أي: ليكونوا علماء به.
_________________
(١) شرح مختصر الروضة للطوفي ١/ ١٣١ وراجع البحر المحيط فإنه ذكر مقولات أخرى في معناه ١/ ١٣.
[ ١٤ ]
ومعنى شرعي وهو معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد، كالعلم بأن النية في الوضوء واجبة وأن الوتر مندوب.
[الشرح والإيضاح]