للنفس في المعقولات حركتان:
١ - الحركة الأولى: من المطالب إلى المبادئ.
٢ - الحركة الثانية: من المبادئ إلى المطالب.
بيان ذلك أنك لو أردت أن تصل إلى أن النبّاش تقطع يده، فالحركة الأولى تبدأ بنظرة جملية في "النباش تقطع يده"، ثم تثبت بنظرة تفصيلية إلى المفردات "النباش- القطع" فتقول النباش ما هو: "مختلس- سارق- ناهب"، ثم يخلص لك أن المناسب لفظ سارق، وتنتهي هنا الحركة الأولى.
وتبدأ الحركة الثانية من هنا، وهي: النباش سارق المال من حرز، وكل سارق من حرز تقطع يده، إذًا النباش تقطع يده، وهنا تنتهي الحركة الثانية.
_________________
(١) شرح الجلال مع البناني ١/ ١٤٣.
[ ٦٨ ]
هذا مثال تقريبي للمسألة وأهل الأصول يمثّلون بالإنسان حيوان، والعالم حادث ونحو ذلك من المنطقيات (^١)، والمثال السابق ألصق بالفن.
على ضوء ما تقدم يتبين لنا أن الحركة الأولى هي نقطة البدء لتحصيل المطلوب، وأن الحركة الثانية هي المكملة لها، فبمجموعها يحصل المطلوب. لا بالحركة الثانية وحدها، ولا بالأولى وحدها.
ومن هنا نشأ الخلاف هل الفكر هو "مجموع الحركتين"، كما هو رأي القدماء حتى يكون النظر عبارة عنهما؟
أو الحركة الثانية كما هو مذهب المتأخرين، فيكون النظر عبارة عنها فقط. والذي عليه المحققون الأول (^٢).
_ لاحظنا فيما سبق أن حركة النفس تدريجية انتقالية، فهي تنتقل من المطلب إلى المبدأ، وتتدرج في ذلك حتى تصل إلى المطلوب النهائي (^٣).
ولذلك يزاد في الحد "تدريجيًا"؛ ليخرج الحدس فإنه انتقال النفس من المطلب إلى المبادئ دفعةً واحدةً لا تدريجيًا، ولما كان ذلك الانتقال قد يدخل فيه حركتها في المنام زادوا على الحد "قصدًا"، فيكون على هذا تعريف الفكر (^٤): "حركة النفس في المعقولات أي انتقالها انتقالات تدريجيًا قصديًا".
_ تبين مما سبق محترزات التعريف:
فخرج بالتدريجي: الانتقال الدفعي، كالحدس وهو الانتقال من المبادئ إلى
_________________
(١) راجع حاشية البناني على الجمع ١/ ١٤٣ وشرح ابن قاسم الكبير ١/ ٢٧١
(٢) راجع البحر المحيط ج ١/ ٣٢ مبحث النظر، وشرح ابن قاسم الكبير ١/ ٢٧١، والبناني على شرح المحلى للجمع ١/ ١٤٣.
(٣) راجع تقريرات الشربيني على حاشية البناني وشرح المحلى ١/ ١٤٢ وابن قاسم الكبير ١/ ٢٦٤ وما بعدها.
(٤) نفس المراجع.
[ ٦٩ ]
المطالب دفعة، وإن خرج بالقصدي أيضًا بناءً على أنه لا يكون قصديًا، وبالقصدي غيره كالانتقالات فيما يتوارد عليه من المعقولات بلا اختيار، كما في المنام فلا يسمى واحد منهما فكرًا فلا يكون نظرًا.
وبالمعقولات: حركة النفس في المحسوسات فيسمى تخيلًا لا فكرًا، وبقوله ليؤدي ما لا يكون للتأدية فلا يسمى نظرًا (^١).