إنما قالوا: "ما يمكن التوصل، ولم يقولوا ما يقع به" (^٢)؛ للإشارة إلى أن المعتبر التوصل بالقوة: "لأن الدليل يكون دليلًا نظر فيه أو لا، فلا يخرج عن كونه دليلًا؛ بعدم النظر فيه" (^٣).
قال الباجي (^٤): "إن الدليل هو الذي يتضح به، ويسترشد ويتوصل به إلى المطلوب
_________________
(١) الشرح الكبير ١/ ٢٧٤ - والصغير ص ٥٣ مع الإرشاد للشوكاني.
(٢) شرح الكوكب المنير ١/ ٥٢.
(٣) رفع الحاجب لابن السبكي ١/ ٤
(٤) الحدود ص ٣٨.
[ ٧٢ ]
وإن لم يكن استدلالٌ، ولا توصل به أحد، ولو كان جل وعلا خلق جمادًا، ولم يخلق من يستدل به على أن له محدثًا؛ لكان دليلًا على ذلك وإن لم يستدل به أحد؛ فالدليل دليل لنفسه، وإن لم يستدل به" ا. هـ.
وخرج بقولهم: "بصحيح النظر"، فاسده.
وخرج بقولهم: "مطلوب خبري"، المطلوب التصوري كالحد والرسم.
أن ما يوصل إليه الدليل "مطلوب خبري"، وهي الأحكام التصديقية كقولنا: "النار محرقة، والصلاة واجبة، والفاتحة ركن في الصلاة، والنية واجبة في الوضوء" وهكذا، وإذا دققت النظر في الأمثلة المذكورة تلاحظ أن القضية الأولى قطعية عادةً، وكذا الثانية شرعًا، وأما الثالثة والرابعة فظن.
فالمطلوب الخبري يمكن أن يكون علمًا أو ظنًا. "وعلى هذا عامة الفقهاء (^١) " "والأصوليين (^٢) ".
وخص (أكثر (^٣» المتكلمين اسم الدليل ما دل بالمقطوع به من السمعي والعقلي، وأما الذي لا يفيد إلا الظن فيسمونه أمارة، وحكاه في التلخيص عن معظم المحققين، قال الزركشي: وزعم الآمدي أنه اصطلاح الأصوليين أيضًا (^٤)، وليس كذلك، بل المصنفون في أصول الفقه يطلقون الدليل على الأعم من ذلك، وصرح به جماعة من أصحابنا، كالشيخ أبي حامد، والقاضي أبي الطيب، والشيخ أبي اسحاق، وابن الصباغ وحكاه عن أصحابنا، وسليم الرازي، وأبي الوليد الباجي من المالكية، والقاضي أبي
_________________
(١) رفع الحاجب ١/ ٢٥٣.
(٢) شرح الكوكب المنير ١/ ٥٣.
(٣) قيد الأكثرية للشيرازي في اللمع، ص ٥، وإليه ذهب أبو الحسن البصري في المعتمد ١/ ١٠، والرازي في المحصول ١/ ١٩٦ مع شرحه النفائس.
(٤) البحر المحيط ١/ ٢٦.
[ ٧٣ ]
يعلي، وابن عقيل، والزاغوني من الحنابلة، وحكاه في التلخيص عن جمهور الفقهاء وحكاه القاضي أبو الطيب عن أهل اللغة (^١). وحكى القول الأول عن بعض المتكلمين.
قلت وكما هو مذهب الشافعية هو مذهب الحنابلة كما في الكوكب (^٢)، وهو مذهب المالكية، وقد حكى الباجي من بعض المالكية القول بمذهب المتكلمين (^٣)، ورده وكذا هو مذهب الحنفية (^٤).
_________________
(١) وكذا الشيرازي في اللمع ص ٥ وابن السمعاني في القواطع ١/ ٣٣.
(٢) شرح الكوكب المنير ١/ ٥٣ واختاره مجد الدين في المسودة ص ٥٧٣.
(٣) الحدود ص ٣١. وراجع في هذا النهاية للهندي ١/ ٣١. والقواطع لابن السمعاني ١/ ٣٤ وشرح الرهوني المالكي على ابن الحاجب ١/ ١٦٤.
(٤) التقرير والتحبير على التحرير ١/ ٦٩.
[ ٧٤ ]
وأصول الفقه الذي وضع فيه هذه الورقات طرقه، أي طرق الفقه على سبيل الإجمال كمطلق الأمر والنهي وفعل النبي - ﷺ - والإجماع والقياس والاستصحاب.
من حيث البحث عن أولها بأنه للوجوب
والثاني بأنه للحرمة والباقي بأنها حجج وغير ذلك مما سيأتي مع ما يتعلق به
بخلاف طرقه على سبيل التفصيل نحو ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، (وصلاته - ﷺ - في الكعبة) كما أخرجه الشيخان.
والإجماع على أن لبنت الابن السدس مع بنت الصلب حيث لا عاصب لهما.
وقياس الأرز على البر في امتناع بيع بعضه ببعض، إلا مثلًا بمثل يدًا بيد، كما رواه مسلم.
واستصحاب الطهارة لمن شك في بقائها، فليست من أصول الفقه وإن ذكر بعضها في كتبه تمثيلًا.
وكيفية الاستدلال بها أي بطرق الفقه من حيث تفصيلها عند تعارضها لكونها ظنية من تقديم الخاص على العام والمقيد على المطلق وغير ذلك.
وكيفية الاستدلال بها تجر إلى صفات من يستدل بها وهو المجتهد.
فهذه الثلاثة هي الفن المسمى بأصول الفقه لتوقف الفقه عليه.
وأبواب أصول الفقه:
أقسام الكلام والأمر والنهي والعام والخاص ويذكر فيه المطلق والمقيد والمجمل والمبين والظاهر، وفي بعض النسخ والمؤول وسيأتي.
والأفعال والناسخ والمنسوخ والإجماع والأخبار والقياس والحظر والإباحة وترتيب الأدلة وصفة المفتي والمستفتي وأحكام المجتهدين.
[ ٧٥ ]