الأول: (أن قوله من حيث هو واجب) معنى الحيثية (^١)، أي من هذه الجهة؛ فهي حيثية تقييد لا حيثية تعليل.
والفرق بينهما: أن حيثية التعليل مشعرة بالعلية، كقولنا: النار من حيث أنها حارة تسخن، فهذه الحيثية تعليلية، لإشعارها بأن علة التسخين الحرارة، بخلاف الحيثية التقييدية، فلا تشعر بالعلية، بل هي مُقيِّدة فحسب، والمعنى: أن التعاريف يجب أن تقيد
_________________
(١) التلويح على التوضيح المؤلف: سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (المتوفى: ٧٩٣ هـ) الناشر: مكتبة صبيح بمصر، ١ - ٤٢
[ ٤٣ ]
بهذه الحيثية لفظًا أو تقديرًا كما نبّه عليه السعد في التلويح، لئلا تختل الحقائق والحدود.
فالواجب مثلًا يعتريه أمور خارجية فيختل حده؛ فقد يعمل أحد الواجب ولا يؤجر عليه للرياء مثلًا، مع أنه في تعريف الواجب يثاب فاعله.
فهل نقول حد الواجب باطل، أو نقول هو مقيد بالحيثية؛ إذًا فلا يسلم حد إلا بهذه الحيثية التي تحصر النظر في الماهية فحسب وتقطعه عما يمكن أن يعتريه من الخارجيات.
الثاني: أن الإثابة وعدٌ والوعد لا يتخلف منه سبحانه؛ لأنه نقص، وهو عليه مستحيل، بخلاف العقاب الذي هو وعيد فإنه راجع إلى المشيئة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. ولذلك عبر بعضهم بـ "يستحق العقاب" بدلًا عن يعاقب، وبعضهم بـ" يذم" وجعلوها أفضل؛ لجواز العفو عن تاركه.
ومن هنا اعترض على الحد بأنه غير جامع؛ لخروج الواجب المعفو عن تركه لنسيان مثلًا، وأجاب الشارح بوجهين حاصلهما: (^١)
١ - أن وقوعه على واحد من العصاة كاف في صدقه.
٢ - أن معنى يعاقب، أي: يترتب عليه العقاب، والترتب: الاستحقاق، أي يستحق.
الثالث: أن الأصوليين حصروا العقاب على الأخروي فقط، وأغفلوا العقوبات الدنيوية التي منها إدخاله تحت أوصاف الظالمين، الفاسقين، المجرمين.
وهذا نوع من العقاب وهو لابس للعاصي لا محالة، ويترتب عليها أحكام مثل: رد الشهادة، والهجر، والتعزير، وعدم الصلاة عليه، ونحو هذه الأحكام، وقد يصل إلى الحد كقتل الإمام تارك الصلاة مثلًا بشروطه، وكقتال مانعي الزكاة وغيرها، وهذا جار في تعريف المحضور كما سيأتي، وما يترتب على اقترافه من الحدود، والتعازير،
_________________
(١) وانظر شرح ابن قاسم الكبير ١/ ٢٠١.
[ ٤٤ ]
والعقوبات والله أعلم.
الرابع: أن هذه الاعتراضات المتعلقة بمسألة الثواب والعقاب غير واردة فيما أراه على التعريف؛ لأن التعاريف مقيدة بالحيثية السابقة التي تحصر النظر على الحقيقة والماهية والأصل.
ومن المعلوم أن الأصل: هو العقاب للعصاة لا العفو؛ إذ العفو استثناء ورحمة منه تعالى وهو متعلق بمشيئته. وهذا مما لا ينتقض به الحد إذ الحدود، والتعريفات مبناها على الأصول لا على الاستثناءات. والله أعلم.
الخامس: ومما أورد على الحد أنه غير مانع لدخول، نحو المندوبات التي يعاقب على تركها، كالأذان، فإنه يقاتل أهل بلد لا يؤذن فيهم.
والجواب أن العقاب ليس على ترك المندوب، بل إما لأنه فرض كفاية، أو لأنه يدل تركه على الاستهانة بالدين، مع ملاحظة المعنى الذي ذكره الشاطبي من أن المندوب بالجزء يصير واجبًا بالكل (^١). فيندفع الإيراد والله أعلم.