لقد كان من أهم أسباب اختيار "التروك النبوية" موضوعًا للدراسة: أهمية التشريع بالترك أصوليًّا وفقهيًّا: وذلك أن التروك النبوية تمثل أحد قسمي السنة، فإذا كانت السنة النبوية هي أفعاله - ﷺ -، فإن الفعل ما هو إلا فعل إيجابي أو سلبي، وهذا الأخير هو الترك، أضف إلى ذلك تعلق هذا الباب بكثير من مسائل أصول الفقه كالمصلحة المرسلة، والبدعة، والتأسي، والأصل في الأشياء، والتكليف، والمقاصد، وغير ذلك من الأبواب التي يتعلق بها أحكام فقهية.
_________________
(١) قدمت هذه الدراسة لنيل درجة الماجستير من كلية دار العلوم ونوقشت في أواخر عام ٢٠٠٩ م، وقد اقتضى تحويل هذه الدراسة إلى كتاب اختلافًا يسيرًا بين الأصل المحفوظ بالجامعة وبين الكتاب الذي بين يديك الآن، فضلًا عن الزيادات التي أضيفت بعد ذلك.
[ ٧ ]
ومع كل ذلك، فإن تناول هذه المسألة لم يشتهر بين الأصوليين، فهم لم يفصلوا القول فيها على غرار فعلهم في المسائل الأصولية الأخرى، فهم مثلًا لم يعرِّفوا لنا: ماهية الترك، وما يندرج تحته من قواعد وأصول وأحكام وضوابط على نحو مفصل كصنيعهم في المسائل الأصولية الأخرى، ولو استعرضنا أشهر المؤلفات في أصول الفقه، ومقدار تناول تلك المؤلفات لهذه المسألة، لا تضح لنا جليًّا مقدار ذلك التناول، ولتبَّين لنا أن هذه المسألة لم تنل حظها من الدراسة العميقة بعد.
ولا يخفى على المتتبع لكلام أهل العلم، أنهم يَصدُرون - فيما يتعلق بالترك أو غيره من أحكام - عن قواعد واضحة، ومناهج محددة: سواء وضحوا تلك القواعد وذكروها، أو سكتوا عنها كما هو الحال في مسألتنا هذه.
وهذه القواعد التي سكتوا عنها فلم يذكروها: إذا أردنا أن نَتَبيَّنها فلابد من النظر فيما خلفوه من فروع فقهية كثيرة، ثم النسج على منوالهم ومنهجهم في استنباط تلك القواعد الأصولية حتى تتضح لنا تلك القواعد التي لا سبيل لنا أن نطلع عليها بطريق آخر، فهم لم يدونوها في مؤلفاتهم مفصلة مبينة كما سبق.
وأمرٌ كهذا يتطلب دراسة شاملة جامعة لشتات الموضوع، إن لم يكن دراسات.
* * *
[ ٨ ]