لم ينل هذا الموضوع حظه في دراسات الأصوليين قديمًا وحديثًا، ربما لوضوحه في أذهان العلماء السابقين، وربما لأن كتاباتهم تميزت بمناقشة أصول المسائل ومشاهيرها، وربما كان ذلك من باب: وكم ترك الأول للآخر.
ومهما كان سبب ذلك، إلا أنه بات من الضروري جدًّا أن تبحث جوانب هذا الموضوع بحثًا حثيثًا في دراسات المعاصرين، التي امتازت ببحث الجزئيات بحثًا مفصَّلًا مع الاستقراء والتتبع، وهذه نعمة من نعم الله علينا في هذا العصر.
وتكمن أهميَّة هذا الموضوع بحسب ما أرى فيما يلي:
١ - أن الترك أحد أنواع البيان، تتعلق به أحكام شرعيَّة، يترتب عليها ثواب أو عقاب، ولتروك النبي ﷺ دلالات وأحكام تُبنَى عليها فروع كثيرة؛ فكان لابد من تأصيل شامل لكل جزئيات تروكه - ﷺ -.
٢ - أن الترك أحد أنواع التشريع، فكما كان النبي ﷺ يُشرِّع بالفعل كان يُشرِّع بالترك، وهذا يدل على اختلاف أحوال التشريع وتنوعها.
٣ - أن للترك أنواعًا شتَّى، وكل نوع له حكم معيَّن، ومنه ما هو حجة يدل على الوجوب، أو على الإباحة، أو على التحريم، ولا يمكن معرفة ذلك إلا بالتأصيل والتنويع والتقسيم.
٤ - أن إغفال مسألة الترك أوقعت كثيرًا من الناس في الابتداع، ومخالفة السنة، فقالوا بشرعيَّة أشياء، وحسبوها على حساب السنة، وهي تخالف
[ ١٨ ]
السنة من كل وجه، وما أوقعهم في ذلك إلا الغفلة عن التأصيل العلمي لمسألة الترك.
٥ - أن هناك مسائل معاصرة تتعلق بمسألة الترك، وتأصيل هذه المسألة تأصيلًا واضحًا يُنهى الخلاف في هذه المسائل، ويضع المرء منها على بيِّنة وبصيرة، ويقضي على الجدل الواسع، والخلاف العريض، والنقاش الطويل، مع ما يصحب ذلك أحيانًا من الخروج على آداب الخلاف، كالطعن في النيات، والاتهام بالجمود والتخلف والرجعيَّة؛ والخلاف إذا رَجَعَ إلى أصل يحتكم إليه سَهُل التغلب عليه، وأدى إلى توسيع المدارك، وإلى أن يعذر الناس بعضهم بعضًا فيما يذهبون إليه.
وقد هيأ الله تعالى فارسًا هُمامًا أُوتي الجلد في البحث والنظر والتتبع والاستقراء، وكشف عن أهميَّة هذا الموضوع بحسن تقسيمه، وسلاسة أسلوبه، وجميل تأصيله، وأحسب أن كل ما ذكرت من أهداف قد حققه الباحث في هذه الرسالة، فبارك الله في جهوده.