لم أقف على مؤلَّف أصولي واحد للأئمة المتقدمين يتناول مسألة الترك بالدراسة المستقلة، بل لم أهتد إلى عنوان مخطوط يحتمل أن يكون قد تناول التروك النبوية بالدراسة المستقلة، وهذا لا ينفي أن هذه المسألة قد وجد من تناولها في مؤلفاته، ومقدار هذا التناول يختلف من أصولي إلى آخر، لكن لا يخلو مؤلف أصولي من أحد مسائل الترك أو من الإشارة إلى أن الترك فعل فيجري عليه ما يذكر في مبحث الأفعال.
وهذا لا ينفي أن هناك من فَصّل الكلام في الترك بعض الشيء، ولم يكتف بمجرد الإشارة كابن حزم (ت ٤٦٥ هـ) في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام)، ومن بعده السمعاني (ت ٤٨٩ هـ) في (قواطع الأدلة)، والآمدي (ت ٦٣١ هـ) في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام)، والزركشي (ت ٧٩٤ هـ) في (البحر المحيط)، وهذا الأخير يذكر في كتابه أن الأصوليين لم يتعرضوا لبحث الترك ما عدا ما نقله عن السمعاني، رغم أنه ذكر في مقدمة كتابه أنه جمع مادته من أكثر من مائة كتاب.
[ ٢٣ ]
وأمر كهذا دعا الصنعاني إلى الاعتذار عن صنيع الأصوليين هذا، فقال في معرض تقسيمه للسنة إلى قول وفعل وتقرير: "وهكذا عد أقسامها أكثر أئمة الأصول، ولم يذكروا الترك، لأن التروك داخلة في الأفعال - لأنها كف والكف فعل - ولا يقال: والتقرير كف أيضًا فلا حاجة إلى ذكره، لأنا نقول: إنما قلنا بدخول التروك في الأفعال توجيهًا لما وقع منهم" (١).
وكذلك هناك من فصل الكلام في الترك وطول البحث فيه بعض الشيء كابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) في (الفتاوى الكبرى) و(مجموع الفتاوى)، وابن القيم (ت ٨٥٢ هـ) في (إعلام الموقعين)، والشاطبي (ت ٧٩٠ هـ) في (الموافقات) و(الاعتصام).
وكذلك هناك ذكرٌ لمسألة الترك عند جماعة من المتأخرين كالمرداوي (ت ٨٨٥ هـ) في (التحبير شرح التحرير)، وابن النجار (ت ٩٧٢ هـ) في (شرح الكوكب المنير)، والشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) في (إرشاد الفحول)، لكنها كلها لا تخرج عن مضمون ما ذكره الزركشي في (البحر المحيط).