ذهب جمهور أهل السنة إلى أنه لا تكليف إلا بفعلًا (وإن اختلفوا في صفة ذلك الفعل في النهي كما سيأتي بيانه)، خلافًا لأبي هاشم الجبائي (١) من المعتزلة، حيث ذهب إلى جواز أن يرد التكليف في النهي بالعدم الأصلي (٢).
قال الغزالي (٣) في المستصفى:
_________________
(١) هو: أبو هاشم عبد السلام بن الأستاذ أبي علي محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي المعتزلي، ولد سنة ٢٤٧ هـ، وله كتاب "الجامع الكبير" وكتاب "العرض"، توفي يوم الأربعاء في شعبان سنة ٣٢١ هـ ببغداد. [سير أعلام النبلاء (١١/ ٥٢٧)، وفيات الأعيان (٣/ ١٨٣ / ٣٨٣)، الوافي بالوفيات (١٨/ ٢٦٣ / ٧٠٠٤)، ميزان الاعتدال (٤/ ٣٥٢)].
(٢) بهذا التقرير يتضح أن هناك مذهبين في التكليف بالفعل، والجمهور الذين يقولون بأنه لا تكليف إلا بفعل اختلفوا في صفة هذا الفعل في النهي، وقد ذهب الدكتور علي عبد الرحمن بسام - في مقدمة تحقيقه لشرح الأبياري لبرهان الجويني وهي رسالته لدرجة الدكتوراه - ذهب إلى أن هناك أربعة مذاهب في الترك هل هو فعل أم لا، وعد هذه المذاهب كما يلي: الأول: مذهب الجمهور أن كل مكلف به فعل، فالمكلف به في النهي وهو الترك فعل - الثاني: مذهب كثير من المعتزلة أن الترك ليس بفعل. الثالث: قول الأشعري والقدرية أن مقتضَى النهي فعل ضد المنهي عنه. الرابع: يشترك في الإتيان بالمكلف به في النهي مع الانتهاء عن المنهي عنه قصد الترك. والذي يظهر للباحث أن الدكتور أدخل مسألة الترك هل هو فعل أم لا في مسألة التكليف هل لابد أن يكون بفعل أم لا، والصحيح في ذلك ما قُرِّرَ في أول الكلام.
(٣) هو: محمد بن محمد بن محمد زين الدين أبو حامد الطوسي الغزالي، ولد بطوس سنة =
[ ٧٦ ]
"وقال بعض المعتزلة: قد يقتضي الكف فيكون فعلًا، وقد يقتضي ألا يفعل، ولا يقصد التلبس بضده " (١).
والذي قال بذلك من المعتزلة هو أبو هاشم الجبائي نقله عنه الآمدي (٢) والمرداوي (٣) (٤) وابن تيمية (٥) وغيرهم.
_________________
(١) = ٤٥٠ هـ، تفقه ببلده أولًا ثم تحول إلى نيسابور فلازم إمام الحرمين، قال عنه الذهبي: "الشيخ الإمام العلامة البحر حجة الإسلام أعجوبة الزمان، صاحب التصانيف، والذكاء المفرط"، من تصانيفه: "إحياء علوم الدين"، "تهافت الفلاسفة"، "إلجام العوام عن علم الكلام"، توفي سنة ٥٠٥ هـ. [طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٢٩٣)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٢٠)، طبقات الشافعية للسبكي (٦/ ١٩١).
(٢) المستصفى (١/ ٣٠٠): أبو حامد الغزالي، تحقيق: حمزة بن زهير حافظ (بدون بيانات عن دار النشر).
(٣) الإحكام فى أصول الأحكام (١/ ١٩٦).
(٤) هو: علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان بن أحمد بن محمد المرداوي - نسبة إلى مردا وهي إحدى قرى فلسطين - السعدي ثم الصالحي الحنبلي، شيخ المذهب وإمامه ومصححه ومنقحه، ولد سنة ٨١٧ هـ ببلده مردا، باشر نيابة الحكم دهرًا طويلًا فحسنت سيرته، وفتح عليه في التصنيف فله تصانيف كثيرة منها: "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف"، و"تحرير المنقول في تهذيب علم الأصول" وشرحه في "التحبير شرح التحرير" وغيره من المصنفات، توفي سنة ٨٨٥ هـ. [شذرات الذهب (٩/ ٥١٠)، الضوء اللامع (٥/ ٢٢٥ / ١٧٦)].
(٥) التحبير شرح التحرير (٣/ ١١٦٦): علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي، تحقيق: عوض بن محمد القرني، ط. الأولى (٩٤٢٩ هـ - ٢٠٠٠ م)، مكتبة الرشد - الرياض.
(٦) المسودة (١/ ٢١٨): آل تيمية، تحقيق: د. أحمد بن إبراهيم بن عباس الذروي، =
[ ٧٧ ]
ونقل الآمدي عن أبي هاشم قوله: "إن التكليف قد يكون بأن لا يفعل العبد، مع قطع النظر عن التلبس بضد الفعل، وذلك ليس بفعل" (١).
وهذا القول من أبي هاشم له مأخذ عقائدي، هو سبب خلافه - فيما يظهر لي -، وذلك أن المعتزلة يقولون بأن الأحكام التكليفية ثابتة بالعقل وأن الشرع إنما يرد موافقًا لها، ومثل هذا يظهر في النهي، فإن النهي إذا كان متعلقه العدم الأصلي وهو ثابت قبل ورود التكليف، كان ذلك دليلًا على أن الأحكام التكليفية ثابتة قبل الشرع وذلك لثبوت متعلقها قبله، إذ لا يمكن ثبوت الأحكام بعد متعلقاتها، وحيث وجد متعلق الحكم قبل الشرع: ثبت الحكم أيضًا قبل الشرع؛ وليس هناك ما يثبته قبل الشرع سوى العقل، وهذا هو ما تقتضيه أصول المعتزلة.