اختلطت مسألة التأسي عند الأصوليين بحكم الفعل المجرد، وحتى لا يطول ذكر الأقوال في ذلك، أخص البحث ببيان حكم التأسي فقط، أما فعل النبي - ﷺ - المجرد فقد اختلف فيه فقال قوم بالوجوب وقوم بالاستحباب وقوم بالإباحة، وقد طول الكلام كثير من الأصوليين على أدلة كل قول وما يلزم عليه، فلا حاجة إلى التطويل بذكره، ويكفي ذكر أن المعتمد في ذلك عند كثير من الأصوليين، بل وعليه كافة الفقهاء أنها على الاستحباب.
أما التأسي: فقد اختلف في حكمه على قولين:
القول الأول: التأسي بالنبي - ﷺ - في أفعاله واجب.
وقال به: القاضي عبد الجبار المعتزلي، وأبو الحسين البصري المعتزلي، والرازي ونقله عن جماهير الفقهاء (١)، ونقله ابن برهان (٢) عن أبي علي بن
_________________
(١) = عقيل البغدادي الحنبلي (ت/ ٥١٣ هـ)، تحقيق: د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط. الأولى (١٩٩٩ م) مؤسسة الرسالة.
(٢) المحصول (٣/ ٢٤٧).
(٣) الوصول إلى الأصول (١/ ٣٦٩). وابن خيران هو: أبو علي الحسين بن صالح بن خيران البغدادي الشافعي شيخ الشافعية ببغداد بعد ابن سريج، عرض عليه القضاء فلم يتقلده، توفي سنة ٣٢٠ هـ لثلاث عشر بقيت من ذي الحجة. [سير أعلام النبلاء (١١/ ٥٢٣)، شذرات الذهب (٤/ ١٠٣)، طبقات الشافعية الكبرى =
[ ٩٧ ]
خيران، واختاره الآمدي (١) ونقله عن الاصطخري (٢) وابن أبي هريرة (٣) وهو اختيار الغزالي (٤)، ونقله أبو شامة (٥) عن القاضي أبي بكر الباقلاني (٦)
_________________
(١) = للسبكي (٣/ ٢٧١ / ١٧٦)].
(٢) الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢٤٨).
(٣) هو: أبو سعيد الحسن بن أحمد بن يزيد الاصطخري الشافعي، شيخ الإسلام، فقيه العراق ورفيق ابن شريح، كان ورعًا زاهدًا متقللًا من الدنيا، له تصانيف مفيدة منها "كتاب أدب القضاء"، وقد استقضاه المقتدر على سجستان توفي سنة ٣٢٨ هـ. [سير أعلام النبلاء (١١/ ٦٣٤)، طبقات الشافعية لابن السبكي (٣/ ٢٣٠ / ١٦٥)، شذرات الذهب (٤/ ١٤٦)].
(٤) هو أبو علي الحسن بن الحسين البغدادي الشافعي، أحد أعلام الشافعية والقضاة المشهورين، تفقه بابن شريح ثم بأبي بكر المروزي، صنَّف شرحًا لـ "مختصر الزنى"، أخذ عنه أبو علي الطبري، والدارقطني، توفي سنة ٣٤٥ هـ. [سير أعلام النبلاء (١٢/ ٩١)، طبقات الشافعية للسبكي (٣/ ٢٥٦ / ١٦٩)، شذرات الذهب].
(٥) المستصفى (٣/ ٤٥٩).
(٦) هو: عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي الشافعي، غلب عليه لقب "أبو شامة"، أحد الأئمة القراء الحفاظ، ولد سنة ٥٩٩ هـ، وتوفي سنة ٦٦٥ هـ، من مصنفاته: "إبراز المعاني من حرز الأماني". [سير أعلام النبلاء (١٧/ ٧٦)، شذرات الذهب (٧/ ٥٥٣)، العبر (٣/ ٣١٣)].
(٧) هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن قاسم البصري ثم البغدادي ابن الباقلاني، أوحد المتكلمين، ومقدم الأصوليين، قال الذهبي: "كان يضرب المثل بفهمه وذكائه، وكان ثقة إمامًا بارعًا صنف في الرد على الرافضة والمعتزلة والخوارج والجهمية والكرامية، وانتصر لطريقة أبي الحسن الأشعري وقد يخالفه في مضائق"، توفي في ذي القعدة سنة ٤٠٣ هـ. =
[ ٩٨ ]
وهم على قسمين:
الأول: قالوا: لابد من معرفة وجه وقوعها في حق النبي - ﷺ -، وحيث لم نعلم الوجه، فلا سبيل إلى حصول التأسي.
الثاني: قالوا: إن لم نعلم وجه وقوعها في حق النبي - ﷺ - فهي مستحبة في حقه.
القول الثاني: التأسي بالنبي - ﷺ - في أفعاله مستحب.
وقال به: أبو إسحاق الشيرازي (١)، وابن برهان (٢)، وأبو بكر السرخسي (٣) (٤)، والجصاص (٥)، وأبو شامة (٦)، وابن حزم الأندلسي.
_________________
(١) = [سير أعلام النبلاء (١٣/ ١١٤)، الديباج المذهب (ص ٣٦٣)، شذرات الذهب (٥/ ٢٠)].
(٢) التبصرة في أصول الفقه (ص ١٣٦) لأبي إسحاق الشيرازي: إبراهيم بن علي بن يوسف، تحقيق: محمد حسن محمد إسماعيل، ط. الأولى (١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م)، دار الكتب العلمية - بيروت.
(٣) الوصول إلى الأصول (١/ ٣٧١).
(٤) هو: محمد بن أحمد بن أبي سهل أبو بكر السرخسي شمس الأئمة الحنفي، أحد فحول الأئمة الكبار، كان متكلمًا فقيهًا أصوليًا مناظرًا، أملى المبسوط في نحو خمسة عشر مجلدًا من حفظه وهو محبوس في الجب بأوزجند، مات في حدود سنة التسعين الأربعمائة. [الجواهر المضية (٣/ ٧٨ / ١٢١٩)، تاج التراجم (٢/ ٢٣٤ / ٢٠١)، الفوائد البهية (ص ١٥٨)].
(٥) أصول السرخسي (٢/ ٨٧)، تحقيق: أبو الوفا الأفغاني، دار الكتب العلمية، ط. الثانية (١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م).
(٦) الفصول في الأصول (٣/ ٢٢٥).
(٧) المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول (ص ٤٠٤) شهاب الدين محمد بن =
[ ٩٩ ]
وقد أطال أبو شامة في الاستدلال على ما ذهب إليه في كتابه (المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول - ﷺ -).
ويلاحظ أن تعريف التأسي عند القائلين بالوجوب غير تعريفه عند القائلين بالاستحباب، ولذا كان بيان تعريف التأسي عند كل قول مع الكلام عن حكمه.
وفيما يلي بيان تعريف التأسي وحكمه وما استدل به على ذلك عند كل فريق.