مما يُعين على حسن التصنيف وقبول الناس للبحث العلمي: موافقة العصر في كل الجوانب؛ في الأسلوب، واللغة، في الترتيب، والتقسيم، والتنويع، في التمثيل المعاصر، فالانطلاق من روح العصر مع التمسك بثوابت الكتاب والسنة وعمل الأولين من السلف، يحقق الثمرة المرجوَّة التي تفرِّق بين الكتابة القديمة والمعاصرة، ولا تُحمد البتة تلك الكتابات التي يكتب أصحابها فيها وكأنهم يعيشون في القرن السادس الهجري.
ولقد أحسن الباحث حينما قسَّم الرسالة تقسيمًا حسنًا يتوافق مع روح البحث العلمي المعاصر، وزاد الرسالة حسنًا حينما قسم أنواع الترك تقسيمًا مفصَّلًا واضحًا، الأمر الذي أراحه في التأصيل وبناء الحكم، على وجه لا يلتبس على القارئ، وهذا مرده إلى سلاسة الأسلوب التي ذكرناها سابقًا.
وقد أتاح التقسيم الصحيح الدقيق للترك الإجابة عن كثير مما أورده الشيخ الغماري في رسالته في الترك، هذه الرسالة التي تأثر بها كثير من الناس وبَنَوا عليها على صغر حجمها، وعدم تحرير مسائلها تحريرًا أصوليًّا جيدًا، فتتبعه الباحث تتبعًا علميًّا محررًا في كل ما قال، وفرَّق ذلك على حسب مواضعه من الرسالة، مبينًا وجه الصواب فيه دون اعتساف أو تعصب، أو تبني الآراء المسبقة، وهذه ميزة تحمد لكل باحث سواء أصاب أو أخطأ.
وقد حلَّى الباحث رسالته بالمسائل المعاصرة، وهي مسائل طال حولها
[ ٢٣ ]
الجدل في بعض بلدان المسلمين، وهو صنيع يُحمد عليه، وله فائدة من وجهين: الأول: بيان أن التطبيق مرتبط دائمًا بالتأصيل في كل وقت وحين، وليس الأمر على عواهنه ليحلو لمن شاء أن يفعل ما يريد بحجة استحسانه. والثاني: إيجاد الحلول العلميَّة للمسائل المشكلة المعاصرة، وليس يُسكت المسيء غير العلم.
وإن كنت أود أنه زاد في التمثيل المعاصر بعض المسائل الأخرى التي ثار ويثور حولها الجدل في بعض البلاد أيضًا؛ مثل: الأذان الموحد الذي يُبث على الإذاعة من إحدى المساجد الكبيرة، وتتلقاه المساجد جميعًا عبر ذلك البث، وقد انتشر ذلك في بلادنا بلاد الشام، وكذلك ما يفعله البعض من صلاة ركعتين في جماعة شكرًا لله تعالى عند وجود ما يُفرحهم، وكذلك مسألة قراءة القرآن في مكبرات الصوت في المساجد قُبيل الأذان، وغيرها من المسائل المعاصرة.