جاءت الشريعة الإسلامية رحمة بالعباد وفصلا بينهم فيما يختلفون فيه ومحافظة عليهم فيما هم محتاجون إليه.
فقد أحاط القرآن بأصول ما يلزم لحفظ المقاصد التي لم تأت الشرائع السماوية ولم تنشأ القوانين إلا لخدمتها والمحافظة عليها فإن عليها يقوم أمر الدين والدنيا.
[ ١٠٦ ]
وبالمحافظة عليها تنظم شئون الأفراد والجماعات.
وتلك هي المقاصد الخمسة الدين والنفس والعقل والنسل والمال فمهما تنوعت الشرائع واختلفت القوانين فإنها ترمي بأحكامها إلى المحافظة على هذه المقاصد التي عني القرآن بها فوضع من أصول الأحكام ما يحفظ كيانها ويكفل بقاءها ويدفع عنها ما يفسدها أو يضعف ثمرتها.
ثم جاءت السنة تشرح وتفصل وتبيِّن وتكمِّل وتضع للاجتهاد والاستنباط نماذج يحتذيها أولو الأمر فيما يجِّد من الحوادث.
فالدين لابد منه للإنسان الذي يسمو في معانيه المشخصة له عن الحيوانية إذ التدين خاصة من خواص الإنسان ولابد أن يسلم له دينه من كل اعتداء فللمحافظة على الدين وضع القرآن قواعد الإيمان وفرض أنواع العبادات من الصلاة والصوم والحج ثم حاطها بما يمنع عوامل الشر والفساد أن تعبث بها أو تمتد إليها.
فأوجب عقوبة من يعتدون على الدين أو يصدون عن سبيله.
والمحافظة على النفس هي المحافظة على حق الحياة العزيزة الكريمة.
والمحافظة على النفس تقتضي حمايتها من الاعتداء عليها بالقتل أو قطع الأطراف أو الجروح الجسيمة كما أن من المحافظة على النفس المحافظة على الكرامة الإنسانية بمنع السب والقذف وغير ذلك من كل أمر يمس كرامة الإنسان وللمحافظة على النفس أباح القرآن جميع الطيبات وأحل البيع والشراء والرهن والإجارة وما إليها من المعاملات ثم شرع ما يمنع الاعتداء عليها فأوجب القصاص وفرض الديات.
والمحافظة على العقل حفظه من أن تناله آفة تجعل صاحبها عبئا على المجتمع ومصدر شر وأذى للناس. وهي تتجه إلى أن يكون كل عضو من أعضاء المجتمع الإسلامي سليما يمد المجتمع بعناصر الخير والنفع فإن عقل كل عضو من أعضاء المجتمع ليس حقا خالصا له بل للمجتمع حق فيه باعتبار أن كل شخص لبنة من بنائه إذ يتولى بعمله سداد خلل فيه فمن حق المجتمع أن يلاحظ سلامته.
وللمحافظة على العقل أباح الشارع كل ما يكفل سلامته ويزيد نشاطه وحرم ما يفسده ويضعف قوته.
ومن أجل ذلك حرم شرب الخمر وتوعد عليه.
ثم وكل أمر العقوبة الزاجرة فيه إلى بيان النبي ﷺ.
[ ١٠٧ ]
والمحافظة على النسل هي المحافظة على النوع الإنساني وتربية أجياله على المحبة والعطف ليأتلف الناس وذلك بأن يتربى كل ولد بين أبويه ويكون للولد حافظ يحميه.
وقد اقتضى ذلك تنظيم الزواج واقتضى منع الاعتداء على الحياة الزوجية كما اقتضى منع الاعتداء على الأعراض سواء أكان بفعل الفاحشة أم كان بالقذف وذلك كله لمنع الاعتداء على الأمانة الإنسانية التي أودعها الله تعالى جسم الرجل والمرأة ليكون منهما النسل والتوالد الذي يجعل حياة الإنسان باقية في هذه الأرض على أن تكون متآلفة قوية تعيش عيشة طيبة عالية فيكثر النسل ويكون قويا في جسمه وخلقه وعقله يكون صالحا للامتزاج والائتلاف بالمجتمع الذي يعيش فيه ومن أجل المحافظة على النسل كانت عقوبة الزنى وعقوبة القذف وغير ذلك من العقوبات التعزيرية التي وضعت لحماية النسل.
وللمحافظة على المال والعناية بأمر تدبيره ووجوه الانتفاع به شرع نظام المعاملات وحرم الغش والتغرير والربا وكل ما فيه أكل أموال الناس بالباطل.
وفرض ضمان المتلفات وشرع الحد في السرقات وهكذا نجد أن الأحكام التي شرعت لخدمة هذه المقاصد الخمسة والمحافظة عليها قصدت في ذلك إلى أمرين: الأول حفظها في أصل وجودها بتقوية أركانها وتمكين قواعدها والثاني حفظ بقائها ونموها لتؤتي الثمرة المرجوة منها وذلك بحمايتها من عوامل الفساد وأسباب الانحلال.
هذه هي المقاصد الخمسة التي تقوم عليها حياة الإنسان وبصلاحها يستقيم أمر الأفراد ونظام الجماعات.
وضع لها القرآن القواعد والأصول وقرر لكل نوع ما يناسبه من الأحكام قرر هذه الأحكام كليات وأتى فيها بعمومات لكنه مع ذلك لم يُغفل ما يراه منها في حاجة إلى تفصيل.
[ ١٠٨ ]