بعد وفاة شيخه خرج إلى بيهق، فأقام بها مُدَّةً يدرّس ويُفيد الناس.
واتصل بخدمة الملك مجد الملك بركياروق بن ملك شاه السلجوقي (ت ٤٩٨ هـ)، وحظي عنده بالمال والجاه وارتفع شأنه، وتولى القضاء بتلك الدولة.
وأما طبيعة خدمته للملك بركياروق، فقد وقفنا على إشارات في بعض المصادر:
فمنها ما ذكره ابن عقيل الحنبلي ﵀ في «الفنون» (^١) في سياقه لمسألة
_________________
(١) (١/ ١١٩، ١٢٤ - ١٢٥)
[ ١٣ ]
علمية، فقال في الموضع الأول: «استدل الشيخ الإمام شمس الإسلام عماد الدين كيا رسول الملك بكيارق إلى الإمام المستظهر بالله أدام الله سلطانهما». وقال في موضع آخر: «جرى بالمدرسة النظامية يوم حضر رسول الملك إلى الإمام المستظهر بالله - حفظ الله مجده، وأعز نصره، وخذل أعداءه ـــ المعروف بـ: كيا الهراس حفظه الله …».
ومنها ما ذكره ابن كثير الشافعي (ت ٧٧٤ هـ) في «تاريخه» (^١): «حكى إلكيا الهراسي - حين بعثه السلطان بركياروق إلى السلطان إبراهيم بن محمود بن مسعود بن سبكتكين (ت ٤٩٢ هـ) صاحب غزنة وأطراف الهند - في رسالة عما شاهده عنده من أمور السلطنة في ملبسه ومجلسه، وما عنده من السعادة الدنيوية، قال: "رأيتُ شيئًا عجيبًا"، وقد وعظه بحديث: «لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا» (^٢)، فبكى. قال: "وكان لا يبني لنفسه منزلًا إلا بنى قبله مسجدًا أو مدرسة أو رباطا"».
فمن خلال هذه النصوص يظهر لنا قرب الإمام إلكيا الهراسي من الملك بركياروق، حيث جعله رسولا إلى الخليفة والسلاطين (^٣)، وهذا يؤكد مكانته عند الملك وثقته فيه، إضافةً إلى ما نُقل أنه تولى القضاء في دولة هذا السُّلطان، فربما يكون قد تولى القضاء ابتداءً، ثم علا منصبه ليكون رسولا له، والله أعلم.
وهاهنا أمر؛ لا تجيب عنه المصادر التي بين أيدينا بدقة، وهو: متى كان
_________________
(١) «البداية والنهاية» (١٦/ ١٦٨).
(٢) أخرجه البخاري (٢٦١٥)، ومسلم (٢٤٦٩) من حديث أنس.
(٣) وقارن مع: «تارخ ابن خلدون» (٣/ ٦٠٣).
[ ١٤ ]
اتصاله بالملك بركياروق؟
فنقول: من المحتمل أن يكون ذلك بعد وفاة شيخه وهو في نيسابور، ويحتمل أن يكون في بيهق بعد خروجه من نيسابور، وهذا أقرب، ويشهد له سياق كلام ابن عساكر (ت ٥٧١ هـ)، حيث قال: «ثُمَّ اتصل بعد موت إمام الحرمين بمجد الملك في زمان بركياروق وحظي عنده، ثُمَّ خرج إلى العراق … .».