. . . . . . (^٢) والفقه مدلول، وللدليل ارتباط بمدلوله (^٣).
وأيضا؛ فإنَّه يحتاج إلى ضرب الأمثلة والاستشهادات، فيُعتبر أن يعرف من الفقه القدر الذي يتمكن به من ضرب المثال في بيان غرضه، وكشف مقصوده؛ ولا نعتبر أن يتبحر فيه.
فهذا بيان مادة هذا العلم.
وأما بيان حقيقته: فهو أنَّ «أصول الفقه» أدلة الفقه.
* فإن قال قائل: فما «الدليل»؟ وما حده على أصلكم؟
• قيل: الدَّليل: هو ما يتضمن النظر فيه علما بالمنظور فيه.
وعبارة القاضي فيه هو: «أنَّ الدليل ما يُتوصل بصحيح النظر فيه إلى علم ما لا يعلم في مستقر العادة اضطرارا» (^٤).
_________________
(١) «التقريب» (١/ ١٧١)، «التلخيص» (١/ ١٠٥)، «البرهان» (١/ ٧٧)، «الوصول» (١/¬٤٧).
(٢) بداية ما وجد من الأصل الخطي. وبالمقارنة مع «البرهان» لشيخه أبي المعالي الجويني، وجدنا أنه قد ابتدأ الكتاب بذكر استمداد أصول الفقه من: الكلام، والعربية، والفقه؛ ومخطوطتنا تبدأ أثناء الكلام على استمداده من الفقه، وعلى هذا فالسقط الذي فاتنا من التعليقة يقدر بوجه واحد يشمل الديباجة وبداية الحديث عن الاستمداد، والله أعلم.
(٣) قال في «البرهان»: «ومن مواد الأصول الفقه؛ فإنه مدلول الأصول، ولا يتصور درك الدليل دون درك المدلول».
(٤) انظر: «التقريب» (١/ ٢٠٢).
[ ٦٥ ]
* فإن قال قائل: فما هذه الأدلة؟
• قلنا: الكتاب، والسُّنَّةُ، وإجماعُ الأُمَّة.
* فإن قالوا: نراكم قد أعرضتم عن كثير من الأصول وأغفلتموها؛ وهي: القياس، وخبر الواحد، وصفة المجتهد، والترجيحات، وغير ذلك!
• قلنا: اعلم أنَّ هذه الأشياء ليست من أصول الفقه في شيء، وذلك أنَّ أصول الفقه هي الأدلة المقطوع بها؛ فأما هذه الأمور التي ذكرتم: كُلُّها ظَنِّيَّةٌ، فكيف تجعل أصولًا للأحكام؟ فلو تركنا وآراؤنا (^١)، ولم يرد دليل قطعي على وجوب العمل بها، لما كُنَّا نَحكم بالظنون المرجمة، والآراء المجردة؛ من إراقة الدماء المحقونة، وإباحة الأبضاع المصونة، واقتطاع الأملاك المعصومة.
غير أن الصحابة أجمعوا على وجوب العمل بالقياس وبخبر الواحد، وقد تواتر عن رسول الله صلى الله عليه أنَّه كان يبعث كتبه إلى الأقطار والأمصار - مضمنة أوامره ونواهيه -، ويكلف العمل بها، فصار العمل بهذه الأشياء الظنية يستند إلى الأمور (^٢) القطعية.
وتسمى هذه الظَّنِيَّةُ: أمارة، والقطعية: أدلة، وهذا اصطلاح منا، ولو اصطلح على عكسه فسمّي الظَّنِّي دليلا، والقطعي أمارة: لصح، وجاز.
واعلم أنَّ الدليل هو: «الخطاب»، أو: «ما دلّ عليه الخطاب».
والأصل في الخطاب: خطاب الله تعالى. وخطاب الرسول إِنَّما عُلِمَ كونُه
_________________
(١) ويحتمل أن تقرأ: (تركنا وآراءنا)، أي: الشارع.
(٢) الرسم مشتبه في المخطوط، ولعل الصواب ما أثبت. ويحتمل أنها محرفة عن: (الأصول).
[ ٦٦ ]
دليلا بخطاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿مَا آتَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (^٢)، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية (^٣).
واعلم أنَّ الخطاب إنَّما يُعلم وجاهَا شِفاها؛ هذا حقيقته، غير أنَّه في غرضنا منقسم:
* إلى ما يكون شفاها،
* وإلى ما لا يكون وجاها شفاها.
- فأما خطاب الله تعالى؛ فلا يتصوّر أن يكون شفاها ولا وجاها، وإنَّما الطَّريق إلى معرفته: تبليغ النَّبي صلى الله عليه.
- وأما خطاب النَّبي صلى الله عليه؛ فمنقسم:
* إلى ما يكون وجاها،
* وإلى ما لا يكون وجاها؛ ولا يُعلم إلا بالنقل والإخبار، كما في حقنا معه؛ فما لا يُعلم إلا بالنقل والإخبار، فطريق معرفته الأخبار.
وهو ينقسم:
* إلى صدق حق يقينا،
* وإلى كذب محض يقينًا،
_________________
(١) الحشر: ٧.
(٢) النور: ٥٤.
(٣) النساء: ٦٥.
[ ٦٧ ]
* وإلى متردد بينهما.
- وأما [الصدق] الحقُّ الصَّحيحُ: فهو ما تواتر نقله؛ وذلك: يجب العمل به، ويحصل به العلم قطعًا.
- وأما ما هو كذب محضا يقينا: فما لا أصل له، ولم يُنقل عنه أنه قاله أو فعله؛ وهذا ما لا يجوز [ط/ ٧٣] ولا يسوغ العمل به.
- وأما المتردد: فهو أخبار الآحاد.
والكلام على جميع ذلك يأتي مفصلا في كتاب الأخبار (^١).
* فأما ما دلّ عليه الخطاب - كالإجماع ـ؛ فإنَّه مدلول الخطاب وليس بخطاب، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ … الآية (^٢).
* وكذلك أفعال رسول الله صلى الله عليه دلّ عليها الخطاب؛ فإنَّه قال صلى الله عليه: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (^٣)، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم» (^٤)، إلى غير ذلك.
* وكذلك العمل بخبر الواحد والقياس؛ دلَّ عليه مدلول الخطاب - وهو الإجماع -.
_________________
(١) انظر: (ص ٢٣٧).
(٢) النساء: ١١٥.
(٣) أخرجه البخاري (٦٣١) من حديث مالك بن الحويرث.
(٤) أخرجه نحوه مسلم (١٢٩٧) من حديث جابر بن عبد الله.
[ ٦٨ ]
فإذا ثبت ذلك؛ فاعلم أن الخطاب ينقسم إلى «أمرٍ»، و«نهي»، و«خاص»، و«عامٌ»، و«مجمل»، و«مبين»، و«محكم»، و«متشابه»، و«ناسخ»، و«منسوخ».
والأمر والنهي حقيقتهما واحدة، وهو: الاقتضاء والطلب؛ إلَّا أنَّ المقتضى مختلف؛ فإنَّ مقتضى الأمر: الفعل، ومقتضى النهي: ترك الفعل.
وكذلك الخصوص والعموم حقيقتهما واحدةٌ، وإنَّما يختلفان بالإضافات؛ فالعام بالإضافة إلى ما دونه عام، والخاص بالإضافة إلى ما فوقه خاص؛ وسنبين سائر أنواع الخطاب إن شاء الله.
* فإن قال قائل: فقد بينتم حقيقة «أصول الفقه»، فما مقصودها؟
• قلنا: المقصود هو معرفة الفروع؛ لأنَّ من رام أحكام الفروع دون الاطلاع على المعالم والأصول، كان طامعا في غير مطمع.
* فإن قال قائل: فقد ذكرتم أن المقصود من الأصول: الفقه، فما «الفقه»؟
• قلنا: الفقه في اللُّغة هو: العلم (^١)، يقال: فقهت الشي ء: إذا علمته؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَكِن لَا تَفْقَهُونَ﴾ (^٢)، معناه: لا تعلمون، والفقه إذن هو العلم؛ غير أنَّه في غرضنا واصطلاحنا: علم خاص، وهو علم الشريعة.
وحده: «العلم بالأحكام السمعية المبنية على الخطاب».
_________________
(١) قال الزركشي: «والفقه - لغة - اختلف فيه، فقال ابن فارس في المجمل: هو العلم، وجرى عليه إمام الحرمين في التلخيص، وإلكيا الهراسي، وأبو نصر بن القشيري، والماوردي؛ إلا أن حملة الشرع خصّصوه بضرب من العلوم». «البحر المحيط» (١/¬١٣).
(٢) الإسراء: ٤٤.
[ ٦٩ ]
قال الشيخ (^١): لا تَقُلْ: هو العلم بالأحكام السمعية فقط؛ فإنَّ معرفة الله تعالى واجبةٌ بالسمع، وليس هي من الفقه؛ لأنَّ العلم بالله سابق على الخطاب، فليس طريق المعرفة هو الخطاب.
* فإن قال قائل: فلِمَ قلتم: إنَّ الفقه هو العلم بالأحكام السمعية ونحن نرى كثيرًا من الأحكام أنَّها ظنية؟
• قلنا: اعلم أنَّ الظَّنَّ ليس هو الفقه، وإِنَّما الظَّنُّ طريق وأمارة علم الفقه، والفقه علمك بوجوب الحكم عليك بما انتهى ظَنُّك.
بيانُه: أَنَّ الشَّاهدين إذا شهدا عند الحاكم فغلب على ظنه صدقهما في قولهما، فوجوب العمل عليه بما غلب على ظنه: أمر مقطوع به من أنَّ (^٢) الحاكم لو ارتاب فيه: كَفَرَ؛ ولو ترك الحكم: عصى الله تعالى.
* فإن قال قائل: فقد بينتم الفقه، فما «الحكم»؟ وإلى أي شيء يرجع؟
• قلنا (^٣): اعلم أنَّ الحُكم لا يرجع إلى صفةٍ نفسيَّةٍ في المحكوم فيه، ولا
_________________
(١) أي: إلكيا. وفي المخطوط بعدها بياض مقدار ثلاث كلمات.
(٢) قوله: (من أن) كذا في المخطوط، ويحتمل أنها محرفة من: (فإنَّ).
(٣) نقل الزركشي في «البحر المحيط» (١/ ١٢١) مضمون هذا الكلام عن الكيا مع اختلاف في ألفاظه، فقال ما نصه: «قال إلكيا الطبري: الحكم لا يرجع إلى ذات المحكوم ولا إلى صفة ذاتية له إن قلنا: إنها زائدة على الذات، أو صفة عرضية له، وإنما هو تعلق أمر الله بالمخاطب، وهذا التعلق معقول من غير وصف محدث للمتعلق به؛ كالعلم يتعلق بالمعلوم. وإذا سمعت الفقيه يقول: حقي يتعلق بالعين فمعناه أنه ثبت لمعنى في العين كالخمر حرمت لمعنى فيها، فتعلق الحكم تابعا للمعنى، فكانت على حال ما يتعلق بالعين، وإن لم يتعلق بها حقيقة. قال: وهذا أصل كبير في الشرع تمس الحاجة إليه في مواضع. ومن فروعه: أن العقل لا مدخل له في أحكام الله تعالى خلافا للمعتزلة».
[ ٧٠ ]
صفة معنوية، ولا يرجع أيضا إلى صفةٍ في الفعل؛ فإنَّ الخمر حرام والميتة حرام، وليس الحكم بكونها حرامًا لصفةٍ في ذاتها لكونه عليها اقتضى التحريم؛ فإنَّها كانت موجودةً قبل الحكم بتحريمها بهذه الصفة في الجاهلية وصدر الإسلام؛ وأنَّها لما حرمت، لم تحدث لها صفةٌ، [٧٤/ و] ولم يستجد لها نعت في ذاتها.
وكذلك تناول الميتة في حال الاضطرار مباح، وفي حال الاختيار حرام، والتَّناولُ على صفةٍ واحدةٍ في الحالتين جميعًا، فدل أن التحريم ليس هو لأمر يرجع إلى الفعل.
* فإن قال: فإذا ثبت أن الحكم بالتحريم لا يرجع إلى العين، ولا إلى الفعل، ولا إلى صفات نفسيَّةٍ فيها، ولا معنوية؛ فما «الحكم»؟
• قلنا: الحكم: «عبارةٌ عن تعلّق خطاب الله تعالى بالمخاطبين في المطالب السمعية إقدامًا وإحجاما».
* فإن قيل: فالتَّعَلُّق يقتضي تجدد صفة للمُتعَلَّقِ به.
• قلنا: التَّعَلُّق لا يجدّد صفةً للمتعلق به؛ فإنَّ تعلق العلم بالمعلوم لا يغيّر المعلوم عما كان عليه؛ وكذلك الرؤية؛ فإنَّ الله تعالى لم يكن معلوما لنا، ثُمَّ صار معلوما لنا؛ ولم يكن تجدد عِلْمِنا يقتضي تجدُّدَ صفة للباري تعالى الله عن ذلك.
* فإن قيل: فما معنى قول الفقهاء: «الخمر حرام لعينها»، و«هذه العين حرام»، و«هذه نجاسة عينيَّة» (^١)؟
_________________
(١) بعدها في المخطوط: (ومحق دقيق، ومحل حسن)، ولم يظهر لنا مناسبته في هذا الموضع، =
[ ٧١ ]
* قلنا: هذه الدُّعوى [لها محمل] (^١) صحيح تَحَمَّل عليه، ونحن نبين ذلك لنجمع بين الحقيقة والعبارات التي تداولها الفقهاء.
فمعنى قولهم: «الخمر حرامٌ»: أنَّ التَّحريمَ عُلِّقَ على معنى نشأ من عينها - وهي الشِّدَّةُ المطربة والقوة المسكرة ـ، فلما كان الحكم بالتحريم لمعنى قائم بها، أُضيفَ الحكم إليها، لا أنَّ الحكم كان مقتضى عينها أو وجودًا ذَاتِيًّا (^٢) فيها.
وكذلك الميتة؛ لما كان الموتُ قائمًا بها قيل: «الميتة حرام»، فصار الحكم يضاف إلى المحل، وصار في ضرب المثال كقول النُّحاة: «الفاعل مرفوع بفعله» كقولك: «قام زيدٌ»، ثُمَّ قالوا: «مات زيدٌ»، و«طلعت الشَّمسُ»، وإن كان زيد لم يفعل الموت، والشَّمسُ لم تفعل الطُّلوع، لكن لما كان الفعل مضافًا إليه لفظًا وأنه محل للفعل، رفع الفاعل حقيقةً.
* فإن قال قائل: فقد بينتم «الحكم» ما هو، فمن أين يتلقى أمر الشرع المنقول؟ أَمِنْ قَضِيَّاتِ العقول؟
• قلنا: هذا افتتاح الكلام في المسألة العظيمة الملقبة بـ: «التحسين والتَّقبيح».
* * *
_________________
(١) = ورجحنا أنها مقحمة، والله أعلم.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) قوله: (وجودا ذاتيا)، في المخطوط: (وجوداتي)، ولعل الصواب ما أثبت.
[ ٧٢ ]
مسألة (^١)
اعلم أنَّ الذي استوت (^٢) عليه آراء أهل السُّنَّة والجماعة قاطبةً أَنَّه لا مَدْرَكَ للأحكام سوى الشرع المنقول؛ ولا يُتلقَّى حكم ما من قضيات العقول.
فأما من عدا أهلِ السُّنَّة الحقِّ من طبقات الخلق - كالرافضة، والكرامية، والمعتزلة، وغيرهم ـ، فصاروا إلى أن الأحكام تنقسم:
* منها: ما يُتلقّى من الشرع المنقول،
* ومنها ما يُتلقَّى من قضيَّات العقول.
- وما يتلقّى من قضيَّات العقول ينقسم:
* إلى ما يُعلم بضرورة العقل وبديهة الرأي،
* وإلى ما يُعلم بنظرٍ ورَوِيَّةِ:
- فأما ما يُعلم بضرورة العقل وأوائل الذهن:
* فكقبح الكذب الذي لا منفعة فيه
* وحسن الصدق الذي فيه المنفعة.
* وكذلك إيلامُ البَرِيء عن الجُرم، العري عن الظلم: قبيح بضرورة العقل.
_________________
(١) «التقريب» (١/ ٢٧٨)، «المعتمد» (٢/ ٨٨٦)، «التلخيص» (١/ ١٥٣)، «البرهان» (١/ ٧٩)، «الوصول» (١/ ٥٦)، «الأوسط» (ص ٣١٩).
(٢) في «مسلك الحنفا» للسيوطي/ ضمن «الحاوي للفتاوى» (٢/ ٣٥٩): (استقر)، والمعنى متقارب.
[ ٧٣ ]
* وحُسنُ الإنعام والتَّعطُّف والإكرام وإذلال المعروف والإحسان إلى مَنْ نَأَى ودَنَا معلوم بضرورة العقل.
- وأمَّا ما يُعلم حُسنه وقُبحه بنظر العقل:
* كالكذب الذي فيه منفعة،
* والإيلام الذي فيه مصلحة.
- وأمَّا ما يُعلم من السَّمع المنقول:
* فالعبادات وتفاصيلها - كالصَّلاة والصيام والحج والزكاة إلى غير ذلك ممَّا يُتَلَقَّى سمعا -.
وزعموا أنَّ هذه الشَّرعيَّاتِ والأحكام [د/ ٧٤] التعبديات غير منقطعة عن نظر العقل، بل نقول: إنَّ الله تعالى إنَّما أمر بما أمر من الطاعات لعلمه بما تفضي إليه من المستحسنات عقلًا، ونهى عمَّا نهى عنه؛ لعلمه بما تؤدي إليه من المستقبحات عقلا، فالتكاليف اللطاف تدعو إلى مستحسنات، وتنهى عن مستقبحاتٍ:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (^١)، أشار بذلك إلى أنَّ التمرين على الصلوات والطاعات يصد عن الفحشاء.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء﴾ … الآية (^٢)، يُبيّن أنَّ ارتكاب الفواحش والمناهي يوقع العداوة، ويُفضي إلى ترك المستحسنات والطاعات.
_________________
(١) العنكبوت: ٤٥.
(٢) المائدة: ٩١.
[ ٧٤ ]
* قالوا: غير أنا لما لم نعلم مقادير الطَّاعات التي تفضي إلى ما هو حسن، وتنهى عما هو قبيح: جاء الشرع بمقادير ذلك وتفاصيله، فرجعنا إليه.
ولو كنا نعلم ذلك بعقولنا، ونستقل بمعرفتها بأنفسنا، لكنَّا نعقل وجوبها، ونُدرك بمجرد العقل، ولم نحتج إلى شرع (^١).
ثُمَّ إِنَّ هؤلاء اختلفوا فيما يُعلم حسنه وقبحه:
* فمنهم من قال: الحسن والقبيح صِفَتا نفس للحسن والقبيح؛ فالقبيح قبيح بجنسه، وصفة نفسيَّة؛ والحسن حسن لجنسه، وصفة هو في نفسه عليها.
* ومنهم من قال: الحسن حسن لنفسه وذاته؛ فأما القبيح ليس قبيحًا بصفة نفسه.
* ومنهم من عكس، وقال: القبيح قبيح لنفسه، والحسن ليس حسنًا لصفة نفسه.
_________________
(١) نقل السيوطي عن الكيا في هذا الموضع كلاما ليس عندنا، فقال ما نصه: «وأما نحن فنقول: لا يجب شيء قبل مجيء الرسول، فإذا ظهر وأقام المعجزة تمكن العاقل من النظر، فنقول: لا يعلم أول الواجبات إلا بالسمع، فإذا جاء الرسول وجب عليه النظر. وعند هذا يسأل المستطرفون: ما الواجب الذي هو طاعة وليس بقربة؟ وجوابه: أن النظر الذي هو أول الواجبات طاعة وليس بقربة؛ لأنه ينظر للمعرفة، فهو مطيع وليس بمتقرب؛ لأنه إنما يتقرب إلى من يعرفه. قال: وقد ذكر شيخنا الإمام في هذا المقام شيئا حسنا، فقال: قبل مجيء الرسول تتعارض الخواطر والطرق؛ إذ ما من خاطر يعرض له إلا ويمكن أن يقدر أن يخطر خاطر آخر على نقيضه، فتتعارض الخواطر ويقع العقل في حيرة ودهشة، فيجب التوقف إلى أن تنكشف الغمة، وليس ذلك إلا بمجيء الرسول، وهاهنا قال الأستاذ أبو إسحاق: إن قول "لا أدري" نصف العلم، ومعناه: أنه انتهى علمي إلى حد وقف عند مجازه العقل، وهذا إنَّما يقوله من دقق في العلم، وعرف مجاري العقل مما لا يجري فيه ويقف عنده، انتهى». «مسالك الحنفا» (٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠).
[ ٧٥ ]
وقال أبو الحسين البصري: «أنا لا أقول: إنَّ الحسن والقبيح صِفَتا نفس للحسن والقبيح، وإنَّما أقول: نحن ندرك بمجرد العقل الفرق بين الحسن والقبيح؛ لا لأنَّ لهذا صفة نفس تُعلَم عليها، وللآخر تمييزٌ عنه بصفة نفس هو عليها»، وهذا جزء يأتي الشرح عليه (^١).
واعلم أنَّ جميع (^٢) ما ذكره أصحابنا من طريق الرد عليهم تحصره ثلاث طرق:
* الطَّريقة الأولى: طريقة جدلية.
* والثانية: إلزامية.
* والثالثة: برهانية (^٣).
_________________
(١) وقد نقل الزركشي تفصيلًا في بيان أقسام الحسن عن إلكيا، وهو غير موجود في نسختنا، فقال: «وقسمه إلكيا الطبري إلى أقسام: أحدها: ما حسَّنه الشرع لمعنى في عينه، كالإيمان والصلاة، وضده من القبيح الزنى والقتل، فكل منهما لا يتغير عن وصفه بتقدير. الثاني: ما حسن لمعنى في غيره كالزكاة، فإنها تمليك لمال الغير، وحسنها من حاجة الفقير، وكذا الصوم فإنه ترك الأكل، ولكن حسن بواسطة قهر النفس الأمارة بالسوء، وضده من القبيح كلمة الردة، فإنها قبحت لدلالتها على سوء الاعتقاد، وهذا النوع قد يزايله وصف القبح بالإكراه، وكتناول الميتة فإنه حرام نظرا إلى التناول، وقد يحل عند الضرورة. الثالث: ما حسن لمعنى في غيره، وذلك المعنى لا يتم إلا بفعل مقصود من العبد كالسعي إلى الجمعة، والوضوء - على رأي -، فلا جرم انحط عن القسمين للتوسط حتى اختلف في كونه عبادة أم لا، ويأتي ضده في القبيح (كذا)» انظر: «البحر المحيط» (١/ ١٧٢).
(٢) فوقها بخط الناسخ: (مجامع).
(٣) انظر: «المنخول» (ص ٩). وهذا الموضع مما استفاده ابن برهان من كتابنا، فعبر عنه بتفصيل أكثر. قارن مع: «الوصول» (١/ ٥٨ - ٦٦)، و«الأوسط» (ص ٣٢١ وما بعدها).
[ ٧٦ ]