فاعلم أن كل دليل أو علم نظري؛ لا بُدَّ وأن يُبنى على علم ضروري في جنسه، ولا بد من إسناد النظري إلى الضروري فيه؛ وإلا فلو كان النَّظري يُبنى على النظري، لتسلسل؛ إذ الخلاف يقع في الجميع، والنزاع فيها واحدٌ؛ فلا بُدَّ من أصل يقف الخصمان عنده؛ وإلا لم يستقم نظر، ولم يتم دليل.
فلو لم يسلم لنا الملحد الدهري أنَّه يدرك تفرقة ضرورية بين تحرك الجسم وسكونه، لم يُمْكِنَّا أن نبني عليه إثبات الأعراض؛ لكن لما حصل الفرق بين التَّحَرُّكِ والسُّكون ضرورةً، قلنا بعد ذلك: لا تخلو؛ إما أن يكون تحرك الجسم لنفسه، أو لأمر زائد عليه؛ فنسوقُ دليل إثباتِ العَرَض؛ فإثبات معنى زائد على الجسم والجوهر إنَّما يُعلم عن نظر وروية، ويستند إلى ضروري، وهو تحرك الجوهر وسكونه. فإذا؛ ثبت أنه لا بُدَّ من أمر ضروري يستند إليه النظري.
فإذا لم يُسلَّم لهم (^١) الضروري - الذي هو المستند: لم يستقم لهم النَّظَرُ، ولا يمكنهم الجدل، فينقطع جدالهم، وتكون هذه الطريقة إفحاما (^٢) لهم عن الكلام.
فنقول لهم: نراكم تقولون: «إنَّ قبح الكذب الذي فيه منفعة يُدرك بنظر
_________________
(١) يعني: المعتزلة.
(٢) ويحتمل أن تقرأ: (اقحاما).
[ ٧٧ ]
العقل (^١)»، فما (^٢) الأصل الضَّروريُّ المجمع عليه لهذا؟
* فإن قلتم: قبح الكذب الذي لا منفعة [٧٥/ و] فيه.
• قلنا: من شرط هذا الفصل أن يكون متفقًا عليه، ونحن لا نسلم أنَّ هذا النوع قبيح ضرورة.
* فإن قلتم: ندلُّ عليه.
• قلنا: ما كان ضرورةً فإقامة الدليل عليه محال؛ لأنَّ الدَّليل إنَّما يُراد لإيضاح مشكل وإبانة ملتبس، وذلك مستحيل في الضروريات؛ فإنَّه لو قال قائل: ما الدليل على أنَّ الشَّمس طالعةٌ؟ قلنا: طلوعها، فإذا وضح بنفسه، لا يستوضح بأكثر مما وضح.
ونقرر هذا الطريق، فنقول: لو كان معلومًا ضرورةً، لما اختلف فيه العقلاء، كما أنهم لم يختلفوا في سائر الضروريات، وإنَّما يقع الخلاف في النَّظريات؛ لأنَّها مبنية على أسباب يقع الخلاف فيها.
وكان الأصل في الاختلاف أنَّ النَّاس على قسمين:
* ناظر.
* وغير ناظر.
فالناظر هو المدرك.
_________________
(١) يراجع «البرهان» (١/ ٨١ - ٨٢) الفقرة رقم ١١، المسلك الثاني للقاضي أبي بكر في الرد على مخالفيه من المعتزلة.
(٢) بعدها في المخطوط: (ده)، ولعلها مقحمة، والسياق مستقيم دونها.
[ ٧٨ ]
- فأَمَّا مَنْ ردَّ النَّظَر، وركن إلى الدَّعَة والرفاهة والتقليد، وتكاسل عن النظر والجد والتشمير في الأمر، ولم يُكلّف نفسه تعب النظر قط: لا يصل إلى شيء من العلم، ولا يدرك الحق.
والناظرون ينقسمون:
* إلى مستد (^١) في صوب نظره.
* وإلى حائد منحرف عن الصوب والسمت.
- فالمنحرف لا يدركه.
- والمستد في صوب واحد غير منحرف عنه على قسمين:
* قسم وَفَّى النَّظر حقه، وأنهاه إلى غايته القصوى وذروته العليا.
* وقسم وقف دون الحد والغاية.
فمن لم ينته إلى الغاية، لا يدرك؛ ومن ترقى إلى الدرجة العليا، يدرك.
فإذا؛ صار المدرك للحقِّ من أقسام الناظرين هو الفرد الواحد النَّادر من الجم الغفير، وهم الأقلُّون عددًا، الأعظمون عند الله قدرًا، وهم داخلون تحت قوله تعالى: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ (^٤)، وقول النبي ﷺ في وصفهم
_________________
(١) كذا استظهرناها، والرسم مشتبه في المخطوط.
(٢) الكهف: ٢٢.
(٣) ص: ٢٤.
(٤) الواقعة: ١٣، ١٤.
[ ٧٩ ]
أنَّهم «كالشامة البيضاء في مسك الثور الأسود» (^١).
* فإن قالوا: أنتم تعلمون قبحه ضرورةً؛ غير أنكم كابرتم وعاندتم، وحملكم على ذلك التلد، والميل إلى الهوى، وحب المذهب؛ فتتعصبون لأجل هذا، فتظهرون غير ما تُضمرون.
• قلنا: تقلب هذه الدعوى عليكم، ونعكس؛ فنقول: بل أنتم قد عرفتم أنَّه غير معلوم ضرورةً، وإنَّما عاندتم ميلا إلى الهوى، وتعصبا للمذهب، فكل ما أمكن عكسه على الخصم، وتساوى الخصمان في دعواه لم يكن دليلا.
جواب آخر: وهو أنا نمزج هذا بضرب من البرهان، فنقول: إنكار الضروريات مما لا يمكن التواطؤ عليه، والتواصي بكتمانه؛ فإنْ تُصُوِّرَ ذلك من فئة قليلة، وزمرة يسيرة، وشرذمة من النَّاس في مدة قريبة؛ فإنَّه يتبيَّن بطلانه، وينكشف كتمانه على قُربِ وكَثَبٍ.
فأما الفئة الكثيرة العظيمة التي لا يُحصيهم عدد، ولا يحويهم بلد؛ فلا يجوز عليهم التواطؤ في ذلك على تعاقب العصور واختلاف الدهور، وأنتم تعلمون أن مخالفيكم قد طبقوا طباق الأرض ذات الطُّول والعرض؛ فلو [٧٥/ ظ] كانوا مبطلين، لانكشف الغطاء وتبين الخطأ في أقرب مُدَّةٍ.
فلو جاز أن يقال مثل هذا، لجاز أن يقال بأنَّ مَنْ أخبر أنَّ في الدُّنيا بلدًا يقال له مكة أو الصين، فهو كذب باطل؛ لأنَّه يحتمل أن يكون قد تواطأ
_________________
(١) أخرجه عبد بن حميد في «مسنده» من حديث أبي سعيد الخدري ضمن حديث. انظر: «المنتخب من مسند عبد بن حميد» (٩١٧).
[ ٨٠ ]
المخبرون على ذلك، ولا يقال ذلك.
لكن يقال: هذا باطل؛ لأنَّ التَّواطؤ من مثل هذا العدد لا يتصور، وفيه إبطال الشرائع والنبوات، وسدّ باب التواتر مع الاتفاق من الأعصار في ثبوتها؛ فبان بهذا فساد قولهم.
* فإن قالوا (^١): فنحن نرى الحشوية والمجسمة وهم خلق كثير يتواطؤون على المحال، ويُنكرون الضروريات، ويقولون بقدم الحروف، ولا ينكشف لهم، ولا يرجعون عنه.
• قلنا: هؤلاء إذا حقق عليهم القولُ: لا يقولون بالقدم حقيقةً؛ فإنَّا إذا قلنا لهم: هذا المصحف متى ابتدئ؟ ومتى كُتب؟ ومتى خُتم؟ ذكروا زمانًا؛ وجريان الزمان وتجدد المدَّة على القديم محال، وإنَّما أتوا بلفظ «القدم»؛ لأنهم اعتقدوا أنَّ فيه نوع تعظيم، ولفظ «الخلق» و«الحدث» فيه إهانة وابتذال؛ فصاروا إلى العبارة، لا إلى الحقيقة.
* فإن قيل: أنتم قد علمتم قُبْحَ ما قبَّحناه، وحُسْنَ ما حسَّنَّاه، فجميع ما قلنا إنه حسن قلتم إنَّه حسن، وجميع ما قلناه إنَّه قبيح قلتم إنَّه قبيح؛ فقد توافقنا على الحكم، وإنَّما اختلفنا في الطريق والمدرك فيه والمسلك؛ ولا يضرُّ الاختلاف في الطَّريق بعد التوافق على الحكم؛ هذا كما أنَّ الكعبي قال: «إِنَّ العلم الحاصل عقيب خبر التواتر نظري، وسائر العلماء قالوا: ضروري (^٢)».
_________________
(١) قارن مع: «الأوسط» لابن برهان (ص ٣٢٣).
(٢) نقل الزركشي عن الكيا أنَّ «الخلاف بين الكعبي والجمهور في هذه المسألة لفظي». قارن مع: «البحر المحيط» (٤/ ٢٤٠).
[ ٨١ ]
وإنَّما وقع الخلاف في طريقه بعد الوفاق على حصول أصل العلم، فلم يضر ذلك؛ كذلك فيما نحن فيه.
• قلنا: نحن نبني الخلاف بيننا وبينكم في الحكم من وجهين:
أحدهما: أن عندكم إِنَّما حَسُنَ من الله تعالى إيلام البهائم والأطفال؛ لأنَّه يعوّضهم عليه في العقبى، فيحشرهم وينشرهم، ويجعل لهم مراتع يرتعون فيها، ويجب عليه ذلك؛ ولو لم يفعله، لقبح ذلك منه عقلا، وعندنا لا يجب على الله تعالى التعويض، ولا هو قبيح منه ذلك، فهذا خلاف في الحكم، لا في الطَّريق.
الثاني: أنَّ عندنا يجوز أن يَرِدَ الشَّرع، فيحسن ما نقبّحه، ويقبح ما نعده حسنًا، وعندكم لا يجوز أن يرد الشرع بذلك؛ فبان أن الخلاف بيننا حاصل في الحكم أيضا.
[ ٨٢ ]