الأمر مطلق ومقيد … (^١)
مسألة (^٢)
إذا ورد الأمر بعد الحظر؛ فما حكمه؟ اختلف الناس فيه:
* فقال قوم: إنه يُحمل على الإيجاب.
* وقال آخرون: إنه على الإباحة (^٣).
_________________
(١) في المخطوط بياض مقدار سطرين ونصف. وبالنظر إلى المراجع المشابهة لمحتوى التعليقة يتبين أنها مسألة الواجب الموسع والمضيق. انظر: «المنخول» (ص ١٢١)، «الوصول» (١/ ١٧١).
(٢) انظر: «البرهان» (١/ ١٨٧)، «الوصول» (١/ ١٥٩).
(٣) هكذا جاءت المسألة في المخطوط، وبالمقارنة مع ما نقله الزركشي يظهر أن إلكيا له تفصيل واختيار في المسألة لم يقيده المعلّق أو أن الزركشي نقله من كتاب آخر له. فقد ذكر الزركشي أن مذهب الشافعي هو القول بالإباحة، ونقل تقرير ذلك عن عدد من أئمة الشافعية، ثم عقب: «لكن قال إلكيا الهراسي: الشافعي يجعل تقدم الحظر من مولدات التأويل، وهذا منه اعتراف بأن تقديم الحظر يوهن الظهور، ولكن لا يسقط أصل الظهور، كانطباق العموم على سبب. انتهى». «البحر المحيط» (٢/ ٣٧٩) ثم ذكر الزركشي قولًا ثالثًا في المسألة - وهو القول بالتفصيل؛ وحاصله أنه يُنظر: فإن كان الحظر السابق عارضًا لعلة، وعُلقت صيغة: افعل بزواله، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَصْطَادُوا﴾: فعُرف الاستعمال يدلُّ على أنه لرفع الذم فقط، حتى يرجع حكمه إلى ما قبله؛ أما إذا لم يكن الحظر عارضًا لعلَّةٍ ولا: «افعل» عُلّق بزوالها فيبقى موجب الصيغة على أصل التردد بين الندب والإيجاب، ويزيد في هذه الحالة احتمال الإباحة، ثم قال الزركشي: «واختاره الغزالي وإلكيا الهراسي». «البحر المحيط» (٢/ ٣٨٠).
[ ١٢١ ]
مسألة
إذا ورد الأمر بعد الأمر من غير أن يتصل أحدهما بالآخر، ومن غير قرينة تدلُّ على أنه أريد به الأمرُ الأَوَّلُ؛ ما حكمه؟
اختلف العلماء فيه:
* فقال بعضهم: يُحمل الثاني على التأكيد - إذا لم يرتبط أحدهما بالآخر ـــ، ويكون كلُّ واحدٍ منهما مُنَكَّرًا (^١).
وقال آخرون: يحمل على الاستئناف؛ لأنه مستقل بنفسه من غير أن يُحمل على ما يُحمل [عليه] الأَوَّلُ (^٢).
وليس صورة المسألة أن يقول له: «ادخل الدار»، ثُمَّ يقول بعد ذلك: «ادخل الدار».
وإنما المسألة فيما إذا قال له اليوم: «صَلّ»، ثُمَّ قال مِنْ الغد: «صَلّ».
وحكي عن الشافعي «مسألة في الأقارير»، اعتقد كلُّ واحدٍ من الفريقين أنَّ الشافعي صار إلى ما قاله، ظنا (^٣) بموافقة الشافعي.
والأصوليون بأجمعهم أبدًا تراهم يتنافسون على مذهب الشافعي في
_________________
(١) نقل الزركشي عن إلكيا الهراسي زيادة بيان في حكاية هذا القول، حيث قال: «ولا فرق في هذا القسم بين أن يقرن بحرف العطف أو لا، ولا بين التعريف والتنكير، كما ذكره إلكيا الهراسي وغيره». «البحر المحيط» (٢/ ٣٩٤).
(٢) وهذا القول هو الذي صححه إلكيا - على ما نقله الزركشي. انظر: «البحر المحيط» (٢/ ٣٩٣).
(٣) الرسم مشتبه في المخطوط، ولعل الصواب ما أثبت.
[ ١٢٢ ]
الأصول؛ علما منهم بتلطف نظره، وتدقيق فكره فيما يرجع إلى الأصول.
والمسألة المحكية عن الشافعي أنَّه قال: «إذا قال يوم السبت: لفلان عليَّ درهم، ثُمَّ قال في يوم الأحد: عليَّ له درهم، فإنَّه لا يلزمه إلا درهم واحد، ولا يُحمل يوم الأحد على درهم مستأنف، بل يُحمل على الأول» (^١).
* فمن صار إلى أنَّ الأمر الثاني يُحمل على التأكيد قال: إِنَّ الشَّافعي غلب فرعًا في الأقارير، ومذهبه أنَّ الثاني يُحمل على الأول، فيكون تأكيدًا.
* وقال من صار إلى أنَّه يُحمل على الاستئناف: إنَّ الشَّافعي لم يرد ما ذكره؛ لأنه إنما قال ذلك في الإقرار، والإقرار خبر، والخبر قد يتكرر ويتردد على المخبر الواحد مرارًا؛ وما تنازعنا فيه: إنشاء - فإن قوله: «افعل»، ليس خبرًا وإقرارًا -؛ والإنشاء لا يرجع إلى الأول.
مسألة (^٢)
اختلف العلماء في العبادات البدنية؛ هل يدخلها النيابة أم لا؟
* فالذي عليه أهل الجماعة جواز ذلك.
* وخالف أصحاب أبي حنيفة في ذلك.
* وأنكرت المعتزلة ذلك أشدَّ إنكار، وإنَّما قالوا ذلك؛ لما تقرر من أصلهم أنَّ العبادات الصادرة والأوامر الصادرة من الشرع في حق العبد إنَّما توجه نحوه
_________________
(١) لم نجده بنصه، ومعناه في «الأم» (٦/ ٢٣٩).
(٢) انظر: «الوصول» (١/ ١٧٣ - ١٧٤)، «البحر المحيط» (١/ ٤٣١).
[ ١٢٣ ]
على سبيل الابتلاء والاختبار؛ ليرى المطيع من غيره، ويستحق الثوابَ على فعلها بطاعته لمولاه؛ والابتلاء والامتحانُ إنَّما يتحقق بفعل الإنسان بنفسه؛ فأمَّا ابتلاء زيد بفعل عمرو: ليس له معنى.
[ ١٢٤ ]