اعلم أن من قال بحمل المطلق على المقيد عند وجود الدليل، اشترط في جواز ذلك شروطا:
* من ذلك (^٢): ألا يكون المطلق يتجاذبه أصلان مقيدان؛ كلُّ واحدٍ منهما بالإضافة إلى المطلق على حد سواء، ولا يكون انجذابه إلى أحدهما أولى من انجذابه إلى الآخر؛ فإنه إذا كان كذلك، توقفنا في حمله على أحدهما؛ لعدم الدليل.
مثاله: هو أنَّ الله تعالى ذَكَرَ الصّيام في كفَّارة اليمين مطلقًا من غير تقييدٍ بالتتابع، ولا بالتفريق، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (^٣)، وفي صوم كفارة الظهار قيَّد بالتتابع، فقال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (^٤)، وفي صوم
_________________
(١) يظهر أن في المسألة سقطا، حيث لم يذكر الوجه الثاني ولا الجواب عنه.
(٢) ذكر الزركشي أن إلكيا الطبري ممن يشترط هذا الشرط. انظر: «البحر المحيط» (٣/ ٤٢٧).
(٣) المائدة: ٨٩.
(٤) المجادلة: ٤.
[ ١٦٠ ]
التمتع قيد بالتفريق، فقال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (^١).
فلما كان المطلق قد عارضه هذان الأصلان، ولم يكن لما نص فيه على التتابع مزية على ما نص فيه على التفريق: لم يكن حمله على أحدهما بأولى من حمله على الآخر، وهذا يرجع إلى عدم الدليل، ويبطل الإلحاق (^٢).
* ومن الشروط: ألا يكونا متباينين متباعدين، كالعتق في الكفَّارة والشهادة؛ فإنَّ الله تعالى أطلق ذكر الرقبة في كفَّارة الظهار، فقال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (^٣)، وقال في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ (^٤)، فأطلق ذكر الرقبة ولم يقيد بالعدالة، وقال في الشهادة ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ (^٥)، فقيد الشهادة بالعدالة.
ولكن لما تباعد ما بين الشَّهادة والكفَّارة، لم يكن نصه على اعتبار العدالة في الشهادة قاضيًا وموجبًا اعتبار صفة العدالة في الكفارة أيضا؛ ولذلك (^٦) لما تباعدا: عدم الدليل المقرّب لأحدهما من الآخر (^٧).
_________________
(١) البقرة: ١٩٦.
(٢) قارن مع: «البحر المحيط» (٣/ ٤٢٧).
(٣) المجادلة: ٣.
(٤) النساء: ٩٢.
(٥) الطلاق: ٢.
(٦) في المخطوط: (وكذلك)، ولعل الصواب ما أثبت.
(٧) هذا هو القسم الثالث، وهو محل الخلاف، وهو أن يختلفا في السبب دون الحكم. ونقل الزركشي عن الكيا وغيره الاتفاق على القسمين الآخرين من حمل المطلق على المقيد، الأول: أن يختلفا في السبب والحكم، فلا يحمل أحدهما على الآخر، والثاني: أن يتفقا في السبب والحكم، فيحمل أحدهما على الآخر. «البحر المحيط» (٣/ ٤١٧).
[ ١٦١ ]
* فمذهب الشافعي: أنَّه يُحمل المطلق على المقيد، وهو مذهب مالك (^١).
* ومذهب أبي حنيفة: أنَّه لا يُحمل؛ واختلف أصحاب أبي حنيفة في علة المنع من الحمل:
- فقال معظمهم: إنَّما لم يجز ذلك لأنَّه إذا شُرط في المطلقة الإيمان: فقد زاد في نص القرآن، والزيادة في النص نسخ، ونسخ القرآن لا يجوز إلا بمثله.
- وقال آخرون منهم: إنَّما لم يُحمل المطلق على المقيد لا لأنَّ ذلك يعقب زيادةً، ولكن نقول إنه تخصيص، غير أنَّ هذا النوع من الدليل الذي تذكرونه لا يجوز التخصيص به، ولا يصلح أن يكون مخصصًا.