كقوله صلى الله عليه: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» (^٣)، و«لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (^٤)، و«لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (^٥):
- فهذا نفي للجنس، وهو صحيح.
- حُجَّةٌ عندنا، نحتج به.
- وليس بمجمل.
* وقال أبو علي الجبائي، وابنه أبو هاشم: «هذا من قبيل المجملات التي لا يُحتج بها، ولا يصح التَّعلُّق بها».
ووجه إجماله: أنه متردّد بين نفي الصوم الحقيقي الذي هو الإمساك لغةً، وبين نفي الصوم الشرعي؛ وإذا كان محتملا لهما جميعًا، ثبتا مجملا؛ فوجب التوقف فيه.
_________________
(١) أي: إلكيا.
(٢) انظر: «البرهان» (١/ ٢١١)، «المنخول» (ص ٧٧)، «الوصول» (١/ ١٠٥).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٤٥٤)، والترمذي (٧٣٠)، والنسائي (٢٣٣٦)، وابن ماجه (١٧٠٠) وغيرهم من حديث حفصة.
(٤) أخرجه الدارقطني (١٥٥٢، ١٥٥٣)، والحاكم (٨٩٨) وغيرهما من حديث جابر بن عبد الله وأبي هريرة مرفوعًا، وضعفه عبد الحق الإشبيلي وزين الدين العراقي وابن حجر وغيرهم. انظر: «الأحكام الوسطى» (١/ ٢٧٥)، «المغني عن حمل الأسفار» (ص) (١٧٩)، «التلخيص الحبير» (٢/ ٧٧).
(٥) أخرج نحوه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤) من حديث عبادة بن الصامت.
[ ١٠٢ ]
مسألة أخرى يُدعى فيها الإجمال، وليس بمجمل (^١)
وذلك مثل قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (^٢)، و﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (^٣).
* قال قوم (^٤): «هذا مجمل»، وليس ذلك بمجمل.
* [وقال …] (^٥): عندنا - يعني مذهب أبي حنيفة - أنه ليس بمجمل (^٦).
مسألة معقودة في أنَّ القياس هل يجري في اللغات أم لا (^٧)؟ (^٨)
استقرار المحققين من الأصوليين أنَّ اللُّغات لا تثبت قياسًا، ولا يجري ذلك فيها (^٩).
_________________
(١) هذه المسالة مشهورة بـ: الأحكام المضافة إلى الأعيان. انظر: «التقريب» (١/ ٣٤٤)، «الوصول» (١/ ١٠٨).
(٢) النساء: ٢٣.
(٣) المائدة: ٣.
(٤) كأبي الحسن الكرخي، وأبي عبد الله البصري، والقاضي أبي يعلى.
(٥) زيادة متعينة، ويظهر من السياق أنه ذكر هنا أحد أعلام الحنفية.
(٦) انظر: «أصول البزدوي» مع شرحه «كشف الأسرار» (٢/ ١٠٦)، «التبصرة» (ص ٢٠١)، «أصول السرخسي» (١/ ١٩٥).
(٧) قوله: (أم لا) في المخطوط: (امره)، ولعل الصواب ما أثبت.
(٨) «البرهان» (١/ ١٣١)، «المنخول» (ص ٧١)، «الوصول» (١/ ١٠٩)، «الردود والنقود» (١/ ٢٩٤).
(٩) وهذا اختيار إلكيا، كما نقله الزركشي في «البحر المحيط» (٢/¬٢٥). وقد نقله كذلك عن معظم المحققين. وجاء في موضع آخر عن إلكيا بيانه لقول ابن سريج في جواز إثبات الأسامي بالقياس، ثم رد على ذلك، فقال ما نصه: «كان ابن سريج يقول: إنما ثبتت الأسامي بالقياس ثم تعلق الأحكام بها، نحو ما كان يقول: إن القياس يوصل إلى أن وطء البهيمة زنا، ثم ثبت الحد فيه=
[ ١٠٣ ]
وقال كثير من الفقهاء: القياس يجري في اللغة، وعزي هذا إلى الشافعي، ولم يدل عليه نصه، وإنَّما دلت عليه مسائله (^١) (^٢).
_________________
(١) = بظاهر الآية، ووجه كونه زنى أنه إيلاج فرج في فرج تمحض تحريما فكان زنى، والنبيذ خمر للشدة والخمر محرمة. قال إلكيا: وهذا النوع باطل من كل وجه؛ لأن القياس في الأسامي يتلقى من فهم مقاصد اللغة ومعرفة موضع اشتقاق الاسم، ثم يجري على ما فيه ذلك المعنى ذلك الاسم، فيكون نهاية نصهم على فائدة التسمية ذلك، وليس لهذا القول تعلق بالشرع، لأنه قد يصح، سواء كان هناك شرع أم لا، وأما القياس الذي يختص الشرع به فإنما تثبت به الأحكام فقط بأن يعلل الأصول التي يثبت الحكم فيها، لتعدية الحكم بالتعليل إلى ما شاركها في العلة». «البحر المحيط» (٥/ ٦٥).
(٢) كتب في الطرة: (وعند أبي حنيفة لا يجري).
(٣) كذا جاءت المسألة في مخطوطتنا، وقد نقلها السيوطي عن الكيا الهراسي بأطول مما هنا، فقال ما نصه: «قال إلكيا الهراسي في تعليقه»: «الذي استقر عليه آراء المحققين من الأصوليين: أن اللغة لا تثبت قياسا، ولا يجري القياس فيها». وقال كثير من الفقهاء القياس يجري في اللغة وعزي هذا إلى الشافعي ﵁ ولم يدل عليه نصه، إنما دلت عليه مسائله. فنُصدّر المسألة بتصويرها فنقول: * أما أسماء الأعلام الجامدة والألقاب المحضة، فلا يجري القياس فيها؛ لأنه لا يُفيد وصفا للمُسَمَّى، وإنما وُضِعَت لمجرد التعيين والتعريف، ولو قَلَبْتَ فَسَمَّيْت زيدًا بعمرو وعكسه، لصح؛ إذ كل اسم منها لم يختص بمن سُمِّي به لمعنى حتَّى لا يجوز أن يُعدل به إلى غيره. فليست هذه الصورة من محل الخلاف. * ولا يجوز أيضا أن يكون محل الخلاف: المصادر التي يُقال هي مشتقة من الأفعال، نحو: ضرب ضربًا فهو ضارب، وقتل قتلا فهو قاتل؛ فهذا ليس بقياس، بل هو معلوم ضرورةً من لغتهم ونُطْقِهم به على هذا الوجه. * ولكن محل الخلاف: الأسماء المشتقة من المعاني، كما يُقال في الخمر إنَّه مشتق من المخامرة أو التخمير؛ فإذا سُمِّي خَمْرًا من هذا الاشتقاق، كان ما وُجِد فيه ذلك خمرا؛ كالنبيذ وغيره. قال: وهذا عندنا باطل. والدليل عليه أنَّ إجراء القياس في اللغة لا يخلو؛ إما أن يُعْلَمَ عقلا أو نقلًا.
[ ١٠٤ ]