قال الشافعي في «الرسالة»: «سكوتُ الرَّاوي عن نقل حكم من الأحكام» ينقسم:
• إلى ما يكون سكوته دليلا على عدم ثبوت الحكم،
• أو إلى ما لا يكون دليلا [عدم] على ثبوت الحكم.
أمَّا المحل الذي يكون السكوت فيه حُجَّةً؛ فهو أن ينقل القصة مستقصاة (^٢) والحديث مستوفى (^٣) من أوله إلى آخره، ولا يذر منه شيئًا، ثُمَّ إذا اختلف في حكم مضافًا إلى تلك القصة المنقولة ولم يذكره الراوي، فيدل على أنَّ ما لم يروه ولم ينقله: غير ثابت.
مثال هذا: ما روي عن بعض النَّاس أنَّه قال: يُضم الجلد إلى الرجم في حق المحصن إذا زنا، والشَّافعي قال: «لا يُضمُّ الجَلد إلى الرجم»؛ واحتج بقصة ماعز، وأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه رجمه ولم يجلده؛ فلو جلده لنقله الراوي، كما نقل الحديث جملةً.
_________________
(١) نقل الزركشي خلاصة هذا الفصل بتصرف واختصار مع الاتفاق في المضمون. انظر: «البحر المحيط» (٤/ ٢٠٨). وقارن بـ: «الرسالة» (ص ٢٤٨).
(٢) في المخطوط: (مقتضاه).
(٣) في المخطوط: (مستوفاه).
[ ٢٠٥ ]
• فإن قيل: إنَّما يُنقل ما تتوق النفس إلى قوله وتتوفر الدواعي عليه، ويكون من المهمات ويعظم وقعه في النفوس، وذلك هو الرجم؛ فأما الجلد، فهو بالإضافة [٩١/] إلى الرجم كالمتلاشي (^١)؛ فمن نقل الرجم، يجوز ألا ينقل الجلد، فلا يدل ذلك على أنَّه غير ثابت (^٢).
ويتصل بهذا أمر:
وهو أنَّ ما كان من الغرائب والعجائب إذا لم ينقله الرَّاوي، دلَّ ذلك على عدمه.
مثاله: ما روي عن النَّبي صلى الله عليه أنه أقاد مسلما بكافر، وقال: «أنا أحقُّ مَنْ وفى بذمته» (^٣).
• فالشَّافعيُّ يردُّ هذا الخبر ولا يصحِّحه (^٤).
• ومن أصحاب أبي حنيفة من يصحِّحه ويبتغي له تأويلا (^٥).
_________________
(١) الرسم مشتبه في المخطوط، وما أثبتنا هو ظاهر الرسم، ويحتمل أنها محرفة من: (كاللاشيء).
(٢) لم يذكر الجواب عن هذا الاعتراض في نسختنا؛ فهو مما سقط على الناسخ، لكن ذكر الزركشي خلاصته نقلا عن الكيا، فقال ما نصه: «ويُجاب بأن سياق القضية واستغراقه بتفاصيلها بالحكاية من غير تعرض للجلد دليل على نفي الجلد، إذ لو جرى الجلد لنقله». «البحر المحيط» (٤/ ٢٠٨ - ٢٠٩)
(٣) أخرجه الشافعي في «المسند» (١٦٢٢) (ترتيب سنجر)، وأبو داود في «المراسيل» (٢٥٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٥٩٢١) وغيرهم من حديث عبد الرحمن البيلماني مرفوعا إلى النبي ﷺ.
(٤) انظر: «اختلاف الحديث» (المطبوع ملحقا بكتاب «الأم») (٨/ ٦٧٦).
(٥) انظر: «شرح معاني الآثار» (٣/ ١٩٥)، «مختصر اختلاف العلماء» (٥/ ١٥٧ - ١٥٩)، «التجريد» (١١/ ٥٤٤٣)، «المبسوط» (٢٦/ ١٣٢).
[ ٢٠٦ ]