اعلم أن سكوته ينقسم:
• إلى ما يكون حُجَّةً.
• وإلى ما لا يكون حُجَّةً.
أما ما لا يكون حُجَّةً: فهو كلُّ موضع:
- لو قُدِّرَ ثبوتُ الحكم: لم يُحتج إلى بيان.
- وأن يكون المسكوت عنه ما يُفهم من المنطوق به.
- أو يكون السائل ممَّن يعلم حكم المسكوت عنه من بيان سابقٍ.
- أو يمكنه الاستدلال في تعرف حكمه.
أما ما يكون سكوتُه حُجَّةً (^١)؛ فهو مثل: أن يُسأل صلى الله عليه عن قضية وسبب يتضمن عدة أحكام، فيُبيّن بعضها، ويكون الحكم المسكوت عنه مما لو قُدِّرَ ثبوته لوجب بيانه:
- لأنه مما يُحتاج إلى بيانه؛ ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
- ولم يكن قد وكله إلى بيان سابق.
_________________
(١) من هنا إلى نهاية هذا الفصل نقله الزركشي بتصرف واختصار مع الاتفاق في المضمون في الجملة. انظر: «البحر المحيط» (٤/ ٢٠٨ - ٢٠٩).
[ ٢٠٢ ]
- ولم يكن السَّائلُ ممَّن يمكنه الاستدلال على المسكوت بالمنطوق.
- ولم يكن المسكوت عنه مما يُفهم من المنطوق به.
فنقول: إنَّ السكوت عن الحكم مع هذه الشروط دليل على عدم ثبوته.
مثاله: ما رُوي أنَّ أعرابيا رآه النَّبيُّ صلى الله عليه وعليه جُبَّةُ صوفٍ مضمَّخةٌ بالخلوق، فقال له صلى الله عليه: «انزع الجُبَّة واغسل الصفرة، واصنع في عُمرتك ما كنت صانعا في حَجَّتك» (^١)، [٩١/ و] وسكت عن ذكر الفدية ولم يبينها، والوقت وقت الحاجة، والأعرابي جاهل بالاستدلال وبالحكم أيضا؛ فإنَّه إذا كان جاهلا بتحريم اللبس، فلأن يجهل وجوب الفدية أولى، ومع هذا لم يبينه؛ فدلَّ أنه لا يجب.
ومن شرائط كون الشكوتِ حُجَّةً: أن يكون الحُكم المسكوت عنه مما لو قدر ثبوته، لتشوقت الطباع إلى نقله، وتسارع إلى ذكره؛ لغرابته وكونه بِدْعًا عجيبًا، وجميع هذه الشرائط كانت موجودةً في حقّ الأعرابي.
ومن هذا القبيل: ما روي أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ عليه فقال: «هلكتُ وأهلكتُ، فقال له صلى الله عليه: ماذا صنعت؟» فقال: «واقعتُ أهلي في نهار شهر رمضان»، فقال له صلى الله عليه: «أعتق رقبة» (^٢)، وسكت عن إيجابها عن امرأته، مع أنَّ الأعرابي لم يُحسن الاستدلال بأنَّها لا تجب عليها، والوقت وقت الحاجة، فدل أنَّ الكفارة لا تجب عليها.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٥٣٦، ١٧٨٩)، ومسلم (١١٨٠) من حديث يعلى بن أمية ﵁.
(٢) تقدم تخريجه. انظر: (ص ١٣٨).
[ ٢٠٣ ]
• فإن قيل: النَّبيُّ صلى الله عليه قد سكت في هذا الموضع عن أشياء كثيرة، ثُمَّ لا يدلُّ سكوته على أنَّها غيرُ واجبة؛ بل هي واجبة، كالغُسل والمهر (^١) والقضاء وغير ذلك، ثُمَّ لا يُستدلُّ بسكوته على انتفاء هذه الأحكام، فكذلك لا تنتفي بسكوته الكفَّارةُ.
قيل له: إنَّما كان ذلك؛ لأن تلك الأحكام ممَّا وكله إلى البيان السَّابق، وكان الأعرابيُّ عالمًا بها، فلم يحتج إلى بيانها؛ أمَّا الكفَّارةُ لمَّا جهل أمرها، بينها له، ولولا جهله لما احتاج إلى بيان؛ فسكوته عن البيان وقت الحاجة دليل على عدم الوجوب.
• فإن قيل: لا نُسلِّم أنَّه أخر البيان عن وقت الحاجة في حق المرأة؛ لأنَّ وقت الحاجة في حقِّها أن تكون هي قد سألت عن واقعتها، وإنَّما هي وقتُ الحاجة في حق السَّائل وقد بيَّن له، ولعلَّ المرأة لو كانت حاضرةً لأنكرت، فكيف يكون بيانُ حكمه بيانَ حكمها ولم تسأل هي؟! (^٢).
_________________
(١) كذا في المخطوط، ولم يتبين لنا وجه الارتباط في هذا السياق.
(٢) لم يذكر جواب الاعتراض؛ فلعله سقط على الناسخ أو المعلّق. وبالرجوع إلى ما نقله الزركشي عن إلكيا في هذا الموضع يتبين أنه ذكر أمثلةً أخرى عن إلكيا، ولا توجد في تعليقتنا.
[ ٢٠٤ ]