* إحداهما (^١):
أنه إذا ورد الأمر، وأُمِرَ المكلف بإيجاد فعل؛ هل يقع الاكتفاء فيه بما يقع عليه اسم الفعل المأمور به أم لا؟ اختلفوا:
* فقال بعضهم: يجزئ، ولا يجب فعل كُلّ ما تناوله الاسم.
* وقال بعضهم: لا يجزئ ذلك.
مثاله: ﴿إنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (^٢) (^٣).
المسألة الثانية (^٤):
* أنَّ الأمر إذا كان مقيدًا بالشرط أو معلقًا على صفة؛ فإنَّ الحكم لا يتكرر بتكرر الشَّرط والصفة إذا لم تكن الصفة عِلَّةً (^٥).
_________________
(١) قارن مع: «البحر المحيط» (٢/ ٤١٦).
(٢) المائدة: ٦.
(٣) نقل الزركشي عن إلكيا تصحيح القول بأنه يجزئ ما وقع عليه الاسم. انظر: المصدر السابق.
(٤) انظر: «التلخيص» (١/ ٣٠٩)، «الوصول» (١/ ١٤٦).
(٥) قال الزركشي: «قال إلكيا الهراسي: منشأ الخلاف أن إضافة الحكم إلى الشرط هل تدل على فعل الشرط مؤثرًا كالعلة؟ والصحيح: أنه لا يدل إلا على كونه أمارةً على جواز الفعل، والعلة وضعت مؤثرة جالبة». «البحر المحيط» (٢/ ٣٩١). وانظر أيضًا: (٢/ ٣٩٠) من نفس الكتاب.
[ ١١٥ ]
* وقال كثير من الفقهاء: إنَّ الحكم يتكرر بتكرر الشرط والصفة.
مسألة (^١)
مطلق الأمر هل يقتضي الفور أم لا؟
فالذي عليه الجمهور من الأصوليين والفقهاء أنه لا يقتضي الفور، وهو الذي كان يميل إليه القاضي أبو بكر.
والشافعي تكلَّم في الوجوب الموسّع (^٢) وقرَّره (^٣).
وحكي عن زفر - وهو مذهب أبي حنيفة - أنه على الفور.
مسألة (^٤)
* إذا قيد الأمر بالفعل في نص مخصوص، ووقت بوقت معين، فغاب ذلك الوقت: لم يجب القضاء بعد خروج الوقت إلا بأمر ثاني (^٥) متجدّد؛ هذا الذي عليه المحصّلون من الأصوليين.
* وقال شرذمة من الفقهاء: إنَّ القضاء يجب بالأمر الأول.
_________________
(١) انظر: «البرهان» (١/ ١٦٨)، «المنخول» (ص ١١١)، «الوصول» (١/ ١٤٩).
(٢) انظر: «الأم» (٢/ ١٢٨).
(٣) كذا في المخطوط، ويظهر أنَّ في الكلام سقطا، ومما يدل على ذلك أن الزركشي قد نقل عن إلكيا قوله: «إن الكلام في هذه المسألة مبني على ثبوت الواجب الموسع، وهو الصحيح؛ ومن لا يعترف به فلا كلام معه». قارن مع: «البحر المحيط» (٢/ ٣٩٩).
(٤) انظر: «البرهان» (١/ ١٨٨)، «المنخول» (ص ١٢٠)، «الوصول» (١/ ١٤٦).
(٥) كذا في المخطوط، وهو جائز في اللغة.
[ ١١٦ ]
مسألة (^١)
وهي أنَّ موافقة المأمور للأمر؛ هل يدلُّ على إجزاء المأمور به إذا أتى به على الوجه الذي اقتضاه الأمر أم لا؟
اختلف العلماء في ذلك:
فالذي عليه الجمهور من العلماء أنَّه إذا أتى به على الوجه الذي اقتضاه الأمر أنَّه يدلُّ على إجزاء المأمور به، ووقع الموقع، خلافًا لأبي هاشم وشراذم من الفقهاء (^٢).
مسألة (^٣)
* أجمع المحققون من الأصوليين على أنَّ الوجوب لا يتضمن الجواز ولا الإباحة.
* وذهب ناشئة الفقهاء إلى أنَّ الوجوب يتضمن الجواز ويقتضي الإباحة، فقالوا: إنَّ كلَّ واجب جائز، وليس كل جائز واجبًا، كما أن كل سواد لون، وليس كل لون سوادًا.
_________________
(١) «المنخول» (ص ١١٧)، «الوصول» (١/ ١٥٤)، «البحر المحيط» (٢/ ٤٠٦).
(٢) كذا في المخطوط، وقد نقل الزركشي عن الكيا مزيد تفصيل فيها، حيث قال في «البحر المحيط» (٢/ ٤٠٩): «الخلاف في هذه المسألة لا يتحقق؛ لأنه إن كان المراد لزوم الإتيان بمثله فهي مسألة التكرار، والأول يجزئ عن الآخر لكن لم يستكمل، وإن كان؛ لأنه لم يقع الموقع فهو غير مجزئ بالاتفاق. وقال - أي إلكيا: هذه المسألة مقلوبة بالمسألة الأخرى، وهي كون النهي يدل على الفساد».
(٣) انظر: «المنخول» (ص ١١٨)، «الوصول» (١/ ١٧٨)، «البحر المحيط» (٢/ ٣٧٦).
[ ١١٧ ]
مسألة (^١)
* ذهب جماهيرُ الجماعة إلى أنَّ الأمرَ بالشَّيءِ نهيٌ عن ضدّه، والنهيُ عن الشيء أمرٌ بضده.
* وذهب البعضُ إلى أنَّ الأمرَ بالشَّيءِ ليس نهيًا عن ضدّه (^٢).
مسألة (^٣)
ذهب الكعبيُّ - شيخُ المعتزلةِ البغداديين - إلى أنه لا مباحَ في الشريعةِ، وإذا قال: لا مباحَ، قال: لا ندبَ فيها أيضًا (^٤).
مسألة (^٥)
إذا تناول الأمرُ أشياءَ على جهةِ التخييرِ بأن يوجبَ اللهُ خصلةً [٧٩/ ظ] من الخصال فيقول: افعل كذا أو كذا، كان الوجوبُ متعلقًا بواحدٍ منها غيرِ معينٍ، وأيهما فعل، خرج عن عُهدةِ الأمرِ به؛ كقوله تعالى في كفارةِ اليمينِ: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (^٦).
_________________
(١) انظر: «البرهان» (١/ ١٧٩)، «المنخول» (ص ١١٤)، «الوصول» (١/ ١٦٣).
(٢) كذا في المخطوط، وقد نقل الزركشيُّ اختيار إلكيا لهذا القول. ونقل أيضا عن إلكيا تفصيلا فيما استقر عليه رأيُ القاضي الباقلانيِّ، حيث قال: «إن هذا الذي استقر عليه رأيُ القاضي أبي بكر بعد أن كان يقول: إنه نهي عن ضده». «البحر المحيط» (٢/ ٤١٦ - ٤١٧). وانظر: «تشنيف المسامع» (٢/ ٤٣٣).
(٣) انظر: «البرهان» (١/ ٢٠٥)، «المنخول» (ص ١١٦)، «الوصول» (١/ ١٦٦).
(٤) تقدمت هذه المسألة. انظر: (ص ٩٤).
(٥) انظر: «البرهان» (١/ ١٨٩)، «المنخول» (ص ١١٩)، «الوصول» (١/ ١٧١).
(٦) المائدة: ٨٩.
[ ١١٨ ]
* فمذهب أهل الجماعة الواجب أحدها لا بعينه، وبأيّها كفر، سقط عنه الفرض (^١).
* ونُقل عن أبي هاشم بن الجبائي أنَّه قال: «الوجوب يتعلق بالجميع».
مسألة (^٢)
حكي عن الشيخ من أهل الجماعة: «أمر المعدوم جائز سائغ»، وصحتْ الحكاية عنه، وإنَّما رُسمت هذه المسألة لإثبات الكلام القديم (^٣).
وأما المعتزلة؛ فإنَّهم أطبقوا على أنَّ الأمر للمعدوم لا يجوز، وأَبَوْا هذا غاية الإباء، وشدَّدوا القول فيه والنكير على قائله (^٤).
_________________
(١) نقل الزركشي عن إلكيا مزيد بيان في هذه المسألة. انظر: «البحر المحيط» (١/ ٢٧٣ - ٢٧٤).
(٢) انظر: «البرهان» (١/ ١٩١)، «المنخول» (ص ١٢٤)، «الوصول» (١/ ١٧٥).
(٣) قال ابن برهان: «وهذه المسألة إنما رُسمت لإثبات كلام الله تعالى؛ فإنَّ الله تعالى متكلم بكلام أزلي قديم، آمر بأمر قديم وليس هناك مأمور، والمعتزلة تنكر ذلك». «الوصول» (١/ ١٧٦).
(٤) نقل الزركشي مزيد تفصيل في هذه المسألة عن إلكيا، فقال ما نصه: «قال إلكيا: تعلق الأمر على تقدير الوجود: منعه الأكثرون، وجوزه الأشعري، بل أوجبوه (كذا)، لأنَّ أمر الله قديم ولا مخاطب أزلا. وأنكره المعتزلة مستمسكين بأن الأمر طلب، ولا يعقل الطلب من المعدوم، فقيل: هذا الطلب لا متعلق له، فإن المعدوم يستحيل أن يكون مخاطبا أو متعلقا، فإنه نفي، وإذا قلت: النفي متعلق فكأنك قلت: لا متعلق، فقيل لهم: المعدوم كيف يكون مأمورا به، ولا يجوز أن يكون متعلقا؟ قلنا: هذا مبني على أصلنا. فقيل: هذا أمر ولا مأمور. قلنا: هو بتقدير أمر فإن الطلب من الصفات المتعلقة فلا يثبت دون متعلقه أصلا، كالعلم لا يثبت دون معلوم والكلام الأزلي ليس تقديرا. قال: وأصحاب الشيخ يقولون: معنى قولنا: إنه في الأزل أمر أنه صالح لأن يكون خطابا للموجود=
[ ١١٩ ]
مسألة (^١)
أجمع جماهير العلماء على أنَّ المأمور بالشَّيء يعلم أنَّه مأمور قبل أن يفعل ما أمر به؛ هذا ما أطبقت الأمة عليه قبلنا، إلى أن نبغ أبو هاشم، فقال: «المأمور لا يعلم ما أمر به، ولا أنَّه مأمور قبل الإتيان بالفعل» (^٢).
مسألة (^٣)
* الذي اتفق عليه آراء أهل الجماعة أنَّ الفعل الحادث حال حدوثه يكون مأمورا به (^٤).
* فأما المعتزلة؛ فإنَّهم أبوا ذلك كُلَّ الإباء، وقالوا: لا يجوز أن يكون مأمورا به حال حدوثه، وإنَّما يكون مأمورا به حالة عدمه (^٥).
_________________
(١) = بعد وجوده كالقدرة والعلم وغيرهما من الصفات، وإنكار بعضها بهذا الطريق يجر إلى ما سواه». «البحر المحيط» (١/ ٣٧٧).
(٢) انظر: «البرهان» (١/ ١٩٦)، «المنخول» (ص ١٢٢)، «الوصول» (١/ ١٦٩).
(٣) انظر: «البحر المحيط» (١/ ٣٦٥). وقد نقل الزركشي عن الكيا أن الخلاف في هذه المسألة مع أبي هاشم لفظي. انظر: (١/ ٣٦٩) من نفس الكتاب.
(٤) انظر: «البرهان» (١/ ١٩٤)، «المنخول» (ص ١٢٢ - ١٢٣)، «الوصول» (١/ ١٧٤).
(٥) قارن مع: «البحر المحيط» (١/ ٤٢١).
(٦) نقل الزركشي عن الكيا مزيد بيان في المسألة، فقال: «وقال إلكيا: اختلفوا في أن الحادث حال حدوثه هل يكون مأمورا به؟ فقال أصحاب الأشعري: مأمور به في تلك الحالة. وقالت المعتزلة: مأمور به قبل الحدوث، وإذا حدث خرج عن أن يكون مأمورا به، لأن الأمر استدعى التحصيل، والحاصل لا يحصل. وأصحابنا بنوا ذلك على أن الاستطاعة مع الفعل، وأن المعدوم مأمور به، وعلى هذا فلا أمر عندهم قبل الفعل، وإنما هو إعلام على معنى تعلق الأمر الأزلي به». «البحر المحيط» (١/ ٤٢٣).
[ ١٢٠ ]