فأما الاستثناء المنفصل: فباطل؛ هذا ما اتفق عليه الكل.
وروي عن عبد الله بن عباس ﵀ أنه قال: «هو صحيح»، وهذا لا يليق به، ولا يصح عنه.
ووجه فساده: إجماع الناس على [أن] من أقر لغيره بمال، ثم بعد شهر استثنى: عد هاذيا بنفسه، وإقراره لازم.
وحكم الاستثناء المنفصل حكم خبر المبتدأ إذا تأخر، كقول القائل: «زيد»، ثم يقول بعد أيام: «قائم»، فإنه لا يعقل (^٢).
فصل (^٣)
* الاستثناء من غير الجنس جائز، وقد نقل الفقهاء عن الشافعي أنه قال: «لو أقر مقر فقال له: "علي عشرة إلا ثوبا"، صح الاستثناء».
* أما أصحاب أبي حنيفة: فأنكروا ذلك. وأما أبو حنيفة؛ فنقل (^٤) عنه أنه يجوز استثناء المكيل من المكيل والموزون من الموزون؛ فإن اختلف الجنس فيقول (^٥): «له علي عشرة دنانير إلا درهمين»، وكذلك يقول: «له علي
_________________
(١) انظر: «البرهان» (١/ ٢٦١)، «المنخول» (ص ١٥٧)، «الوصول» (١/ ٢٣٨).
(٢) كذا في المخطوط، ويظهر أن المسألة لم تكتمل.
(٣) انظر: «البرهان» (١/ ٢٦٠، ٢٦٨)، «المنخول» (ص ١٥٩)، «الوصول» (١/ ٢٤١).
(٤) قوله: (وأما أبو حنيفة) في المخطوط: (وقال أبو حنيفة نقل)، ولعل الصواب ما أثبت.
(٥) أي: المستثني.
[ ١٥٢ ]
عشرة أكرار (^١) حنطةٍ إِلَّا كُرَّ شعير»؛ صح وجاز، إلَّا أنَّه يقول (^٢): «لا بُدَّ أن يكون التقدير الواحد شملهما، كاستثناء المكيل من المكيل والموزون من الموزون».
والشافعي يقول: «لا بُدَّ أن تكون المالية شاملةً لهما جميعًا، كما يقول: «لفلان عليَّ عشرة أكرارٍ من الحنطة إلا ثوبًا»، أو: «عليَّ ألف دينار إلَّا كُرَّ حنطة». واختلاف الجنس لا يؤثر عندهما جميعا: ح وش (^٣)، إذا كان التقدير الواحد شملهما» (^٤).
مسألة (^٥)
الاستثناء إذا تعقب جملا قد عُطف بعضُها على بعض؛ فهل يعود إلى جميعها أو يعود إلى الجملة الأخيرة؟
اختلف الناس في ذلك (^٦):
_________________
(١) الكُرُّ - بضم الكاف وتشديد الراء -، جمعه: أكرار، وهو: مكيال لأهل العراق، قدره ٦٠ قفيزًا، أو ٧٢٠ صاعا. انظر: «معجم لغة الفقهاء» (ص ٣٧٩).
(٢) أي: أبو حنيفة.
(٣) قوله: (ح وش) اختصار من الناسخ، ويعني بهما الإمامين أبا حنيفة والشافعي رحمة الله عليهما.
(٤) نقل الزركشي عن إلكيا أنه اختار المنع في مسألة الاستثناء من غير الجنس. «البحر المحيط» (٣/ ٢٧٩).
(٥) انظر: «البرهان» (١/ ٢٦٣)، «المنخول» (ص ١٦٠)، «الوصول» (١/ ٢٤٨).
(٦) نقل الزركشي عن إلكيا قولا ثالثا في المسألة - وهو التوقف فيها ـ، فقد حكى عن شيخه إمام الحرمين أنه قيل له: «"فقد قال الشافعي: إذا قال الواقف وقفت داري على بني فلان، وحبست أرضي على بني فلان، وذكر نوعا آخر، ثم قال: إلا الفساق، فيصرف الاستثناء إلى الكل".
[ ١٥٣ ]
* فالذي نُقل عن أصحاب الشافعي: أنَّه يعود إلى جميع الجُمَل (^١).
* ونُقل عن أصحاب أبي حنيفة: أنَّه يعود إلى الجملة الآخرة (^٢).
_________________
(١) فأجاب: "بأن ذلك ليس لظهور الاستثناء في الأنواع، ولكن للتعارض بين الأمرين، وهما احتمال عوده إلى الجميع، أو إلى ما يليه، والتوقف فيه، ولا صرف مع التوقف". قال إلكيا: "وهذا المأخذ غير مرضي. فإن التوقف في المستثنى، يوجب التوقف في المستثنى منه، حتى لا ينصرف إلى العدول أيضا. ونحن نصرف كل المال إلى العدول، والتوقف يقتضي التوقف في حق الكل، فإنا لا ندري أنهم يستحقون أم لا، وهو كالتوقف في الميراث للحمل"». «البحر المحيط» (٣/ ٣١٠، ٣١٧).
(٢) وقد ذهب إلكيا إلى قريب من هذا القول مع مزيد تفصيل فيه - حسب نقل الزركشي ـ، حيث قال: «فقال: نعم، لو تباينت الجمل في الأحكام بأن يذكر حكما، ثم يأخذ في حكم آخر؛ فالأول: منقطع والاستثناء لا يعمل فيه، وإن صرح به، والواو هنا لا تعد مشركة ناسقة للنظم، كقولك: ضرب الأمير زيدا، وخرج إلى السفر، وخلع على فلان. قال: وهذا حسن جدا، وبه تهذب (كذا، ولعلها: يتهذب) مذهب الشافعي، ويغني عما عداه». (٣/ ٣١٠). وذكر الزركشي لإلكيا قولا أو تفصيلا آخر نقلا من كتابه: التلويح. قارن مع: «البحر المحيط» (٣/ ٣١٥). ثم إن الشافعية اشترطوا لذلك شروطا استوفاها الزركشي، فذكر من تلك الشروط: أن يتحد العامل، فقال: «وصرح إلكيا الطبري بأن الشرط اتحاد العامل والمعمول. قال: فإن اختلفا اختص بما يليه، نحو ضرب الأمير زيدا، وخرج إلى السفر، وخلع على فلان. قال: وهو حسن جدا. وبه يتهذب مذهب الشافعي». انظر: «البحر المحيط» (٣/ ٣١٧).
(٣) نقل الزركشي حكاية هذا القول كذلك عن أبي علي الفارسي. «البحر المحيط» (٣/ ٣٠٨)، ونقل في موضع آخر مزيد تفصيل عنه قائلا ما نصه: «وقال إلكيا الطبري: قد نقل عن أبي علي الفارسي - مقدم أئمة النحو ومتبوعهم - عود الاستثناء إلى الأخيرة، كمذهب أبي حنيفة. وهذا بناه أبو علي على مذهبه أن العامل في الاستثناء: الفعل الذي قبل "إلا "، وقد قام الدليل اللغوي والقياس النحوي على أنه يجوز أن يعمل عاملان في معمول واحد، وهذا مقطوع به في المعمول أيضا. قال شيخنا أبو الحسن: لا يجوز أن يجتمع سوادان في محل واحد، لأنهما لو اجتمعا لجاز أن يرتفع أحدهما بضده، وإذا جاز ذلك عقلا فلو قدرنا رفع أحد السوادين ببياض لأدى إلى اجتماع =
[ ١٥٤ ]
وليس عنهما في ذلك نصّ؛ غير أنَّ قولهما يدلُّ على ذلك في مسألة، وهي أنَّ القاذف إذا أناب:
- قُبلت شهادته عند الشافعي؛ لأنَّ الاستثناء تعقّب جملا، فرجع حكمه إلى الكل.
- وقال أبو حنيفة: لا يُقبل؛ لأن الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة.