إذا ورد عامان وأمكن تخصيص كلّ واحدٍ منهما بدليل العموم؛ فإنَّهما يتعارضان ولا يُقدَّم أحدهما على الآخر إلى أن يظهر وجه الترجيح.
مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (^٢)، هذا عام في جواز وطء كلّ ما ملكت بملك اليمين والنكاح جميعًا حتّى قال قوم: يجوز الجمع بين وطء الأختين في ملك اليمين؛ وورد عموم آخر، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (^٣)، وهذا عام في تحريم الجمع بكلّ حالٍ في ملك اليمين وملك النكاح جميعًا:
* فمن ذهب إلى إباحة الجمع بين وطء الأختين في ملك اليمين قال: المراد به الجمع بين الأختين في النكاح.
* ومن قال: يحرم الجمع بين الأختين بكل حال قال: المراد بقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ في غير الأختين؛ فقد تساويا وتعارض العمومان من كل وجه.
فمقتضى نظر الأصول أن يُتوقف في ذلك، وهذا المعنى الذي أشار إليه علي ﵇، وقال: «التحريم أولى» (^٤). واعلم أنَّ التحريم هاهنا ليس لأنه اتضح
_________________
(١) «التقريب» (٣/ ٢٧٢)، «البرهان» (٢/ ٧٧٤)، «المنخول» (ص ٤٣٦).
(٢) المؤمنون: ٥ - ٦.
(٣) النساء: ٢٣.
(٤) لم نجده عن علي، وذكره الماوردي عن عثمان. ينظر: «الحاوي» (٩/ ٢٠٢)، (١٦/ ٨٢).
[ ١٨٥ ]
دليل - لأن التعارض لا يقتضي إلَّا التَّوقف، ولا يقتضي حكما ـ؛ ولكن التحريم هو بدليل آخرَ، وهو التمسك بمقتضى الأصل.
ومن هذا القبيل: قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ إلى أن قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ (^١)، فخصَّ أهل الكتاب بذلك دون سائر المشركين. وقال صلى الله عليه لمعاذ: «خُذْ مِنْ كلّ حالم دينارًا» (^٢)، فهذان عامان.
* قال الشافعي: تمنع أخذ الجزية من عبدة الأوثان من العرب، وإِنَّما تُؤخَذ من أهل الكتاب، بدليل قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٣)، هذا عام في حقٌّ مَنْ أدى الجزية ومن لم يؤد؛ ويُحمل خبر معاذ على الحالم الكتابي.
* وأبو حنيفة يجوز أخذ الجزية من الوثني، ويتمسك بقوله صلى الله عليه المعاذ: «خُذْ مِنْ كلِّ حالم دينارًا»، أو يحمل الآية على أهل الحرب؛ والمنع محتمل.
فهذا تعارض بين العمومين، فيحكم بالتوقف إلى حين ظهور دليل الترجيح.
ومن هذا القبيل أيضا: قوله صلى الله عليه: «من بدل دينه فاقتلوه» (^٤):
* فمن أوجب قتل المرتدة: احتج بعموم هذا.
_________________
(١) التوبة: ٢٩.
(٢) أخرجه أبو داود (١٥٧٦)، والترمذي (٦٢٣)، والنسائي (٢٤٥٠ - ٢٤٥٢)، وأحمد (٢٢٠١٣)، (٢٢٠٣٧)، (٢٢١٢٩) وغيرهم من حديث معاذ.
(٣) التوبة: ٥.
(٤) تقدم تخريجه. انظر: (ص ١٧٧).
[ ١٨٦ ]
* وَمَنْ منع: احتج بعموم قوله صلى الله عليه: «لا تقتلوا امرأةً ولا عسيفا» (^١).
فالشافعي يقتل المرتدة، ويحمل قوله: «لا تقتلوا امرأةً» على غير المرتدة؛ ومن لم يقتل المرتدة، تمسك بقوله صلى الله عليه: «لا تقتلوا امرأةً»، وحَمَلَ قوله: «من بدل دينه فاقتلوه» على الرجال.
فهذه أمثلة تعارض العموم؛ فافهمه وقس عليه.
مسألة (^٢)
إذا ورد لفظ عام ثُمَّ تعقبه استثناء أو تقييد بصفة أو شرط يقتضي استنزال اللفظ العام عن عمومه وشموله، فهل يكون اللفظ العام باقيا على مقتضى الاستغراق والعموم؟ والتَّقييد بالصفة يختص بمن وُجدت تلك الصفة به، ويكون التقييد والتخصيص عائدا إلى العام بالتخصيص؟
هذا ما اختلف الأصوليون فيه؛ إلا أبا الحسين البصري؛ فإنَّه قال: يجب التوقف في ذلك (^٣).
مثال هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٦٦٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٨١٠٤) من حديث رباح بن الربيع.
(٢) في أن تخصص بعض العام بالشرط أو الاستثناء لا يوجب تخصيص جميعه. انظر المسألة في: «التقريب» (٣/ ١٦٨)، «المعتمد» (١/ ٣٠٦)، «الوصول» (١/ ٢٧٠).
(٣) عبارة أبي الحسين في «المعتمد»: «والأولى عندنا التوقف في ذلك. وقد نسب ابن برهان له في الوصول»، قولا غير التوقف، وهو وهم منه.
[ ١٨٧ ]
فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (^١) خاص في حقٌّ مَنْ يصح منها العفو. وقوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ عام في حق (^٢) كل مطلقة يقتضي إيجاب نصف المسمى لها، سواء كانت بالغةً أو غير بالغة؛ لأنه علق وجوبه على عدم المسيس، وعِلَّةُ الحكم قد وجدت. وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ يقتضي [أنها] يصح منها العفو، وهي البالغة. فهل تكون هذه الصفة قاضية على العموم الأوَّلِ بالتّخصيص حتَّى لا يجب نصف المسمى قبل الدخول إلا للبالغة؟
أو يكون العام على ما يقتضيه، ويكون الإسقاط مختصا بالبالغات؟
اختلف الناس في ذلك:
* فمذهب الشافعي وأصحابه وعامة المتكلمين: أنَّ اللفظ العام الأول على ما يقتضيه من الاستغراق (^٣).
* وقال أبو حنيفة: بل ما تعقّب من الصفة يقتضي تخصيص اللفظ وتقييده بمَن وُجدت به تلك الصفة.
* وتوقف أبو الحسين البصري فيه.
والذي يدلُّ على ذلك (^٤): أنَّ العموم ظاهر في الاستغراق، وهذا خصوص تطرق إليه بالشرط أو الاستثناء (^٥)، فحمل كلُّ واحدٍ منهما على مقتضاه؛ أو صار
_________________
(١) البقرة: ٢٣٧.
(٢) أفاد الزركشي أن هذا اختيار إلكيا. انظر: «البحر المحيط» (٣/ ٢٣٣).
(٣) قوله: (في حق) في المخطوط: (حق في).
(٤) الظاهر أن قبل هذه العبارة سقطا. ويعني بـ: «ذلك» قول الشافعي وموافقيه.
(٥) قوله: (تطرق إليه بالشرط أو الاستثناء) في المخطوط: (تطرق إلى الشرط أو إلى الاستثناء)، =
[ ١٨٨ ]
بمنزلة جملتين عُطف إحداهما على الأخرى، ثُمَّ خُصَّ المعطوف بأمرٍ يَخصه بصفة أو بشرط: لا يقتضي هذا عود التخصيص إلى المعطوف عليه، بل لكل حكمه، فلا يشتركان في الوصف (^١).
نظير هذه المسألة: قوله صلى الله عليه: «لا تبيعوا البر بالبر … إِلَّا كيلا بكيل» (^٢).
* فالشافعي يحرّم بيع الحفنة بالحفنتين بهذا الحديث، ويقول: قوله: «لا تبيعوا البر بالبر» عام يشمل المكيل وغير المكيل؛ فأحمله على مخصوصه، وأحرم البيع على الإطلاق في البر؛ وقوله: «إِلَّا كيلا بكيل» تخصيص لبعض المحال؛ فاستثناء المكيل يعود إلى المكيل، ويبقى الباقي على عمومه، فلا يجوز بيع المكيل بالمكيل ولا بيع الحفنة بالحفنتين؛ غير أنَّ حُرمة بيع المكيل بالمكيل يكون معللا؛ لعدم (^٣) التساوي، وما ليس بمكيل محرَّم بما ورد فيه من اللفظ العام.
* وأبو حنيفة يقول: قوله: «إلا كيلا بكيل» راجع إلى ما تقدم من نهيه عن بيع البر بالبر، فيصير كأنَّ النَّهي تناول المكيل فقط؛ لأنَّ ما تعقّب من الاستثناء ولعل الصواب ما أثبت.
_________________
(١) قوله: (بل لكل حكمه، فلا يشتركان في الوصف) في المخطوط: (بل بكل جمله، وإنما يشتركان في الوصف)، ولعل الصواب ما أثبت.
(٢) أقرب لفظ لما أورده المصنف هو ما أخرجه الشاشي في «مسنده» (١٢٤٤)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٥٧٥٩)، و«شرح مشكل الآثار» (٦١٠٤)، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» (١١٠٢٣)، و«السنن الكبرى» (١٠٥٤١) من حديث عبادة بن الصامت.
(٣) ويحتمل أن تقرأ: (بعدم).
[ ١٨٩ ]
يقتضي الرجوع إلى ما تقدم، فيجعله جملةً واحدةً.
وأبو الحسين البصري خالف القولين، وقال: «أتوقّف».
مسألة (^١)
إذا وردت جملتان؛ إحداهما مستقلة والأخرى [غير] مستقلة، وعطف ما لا يستقل على ما يستقل، وأضمر في الجملة المعطوفة زيادة؛ هل يكون في المعطوفة عليه مثل ذلك الإضمار ويعود الإضمار [٨٩/ ظ] إلى (^٢) الجملة الأولى المعطوف عليها أم لا؟
… (^٣)
قال أبو الحسين البصري: بل تكون الزيادة المضمرة في الجملة المعطوفة راجعة إلى الجملة الأولى، وإليه ذهب أبو حنيفة.
فنبين أولا مثال ذلك:
* قوله صلى الله عليه: «ألا لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» (^٤):
- فأبو حنيفة يقول: المضمر في قوله: «ولا ذو عهد» معناه: لا يُقتل ذو عهد
_________________
(١) انظر: «المعتمد» (١/ ٣٠٨)، «التمهيد» (٢/ ١٧٢)، «الوصول» (١/ ٢٧٣).
(٢) مكررة في المخطوط.
(٣) يظهر أنَّ هنا سقطا، ولعله حكاية قول الشافعي في المسألة. قارن مع: «المعتمد» (١/ ٣٠٨).
(٤) أخرجه بهذا اللفظ: أحمد (٩٥٩)، وأبو داود (٤٥٣٠)، والنسائي في «الكبرى» (٦٩١٠، ٨٦٢٩)، والبزار (٧١٤) من حديث علي.
[ ١٩٠ ]
بكافرٍ، فالمظهر في المعطوف عليه هو الذي أضمر في المعطوف، فكان تقدير الكلام: «لا يقتل مؤمن، ولا ذو عهد بكافر». قال: لأن الوصف يقتضي التشريك، والواو ظاهر العطف والتشريك، ومن قضيَّة العطوف والتشريك أن يشتركا في الإعراب والمعنى، ولا يتحقق حكم العطف والتشريك إلَّا إذا رُدَّت إلى الجملة الأولى وساوتها في حكمها.
- والشافعي يقول: قوله: «لا يُقتل مسلم بكافر» مستقل بنفسه يحمل على ظاهره، وقوله: «ولا ذو عهد في عهده» محمول على أنَّه لا يجوز قتله ابتداءً بكفره. قال: لأن العطف فيما لا يتصل يقتضي أن يُشرك (^١) بين المعطوف والمعطوف عليه في قدر ما يستقل به؛ فإذا استقل بأن يُشرك بينهما في معنى، فقد زالت الضرورة وحصل الاستقلال.
ونحن نقول: قد اشتركا في نفي أصل القتل، فلا يقتل مؤمن بكافر، ولا يُقتل ذو العهد، وليس من شرطه أن يشتركا في جميع الأحكام، وهذا لأن العطف إذا كان له وجه صحيح مستقل - وهو التسوية بينهما في نفي أصل القتل، وهو الحكم الخاص - كان أولى من إثبات التَّزَيُّد في كل حكم، وهذا لأنَّ الجملتين إذا أمكن إفراد كل واحدة منهما بحكم، وجب تمييزها عن الأخرى، فلا تجعل الواو موجبةً لتساويهما مع ظهور الفائدة، فصارت هذه بمثابة قول القائل: «لا تقتل النصارى بالحديد، ولا اليهود في الأشهر الحرم»، هذا العطف لا يقتضي إلا الاشتراك في نفي أصل القتل؛ وإن اختلفا في صفته، فلا يقتل النصارى بالحديد في الأشهر الأخر، ولا في أشهر الحرم، ولكن يجوز قتلهم بغير حديدٍ؛
_________________
(١) في المخطوط: (يشترك)، ولعل الصواب ما أثبت.
[ ١٩١ ]
ولا يُقتل اليهود في أشهر الحرم؛ فيُحمل قتل النّصارى على أنه نهي عنه في الأشهر كلها بالحديد، وأنه نهي عن قتل اليهود في أشهر الحُرُمِ بالحديد وبغيره؛ تسوية بين الجملتين من غير أن يُشرك بينهما من كل وجه؛ كذلك في مسألتنا.
* * *
[ ١٩٢ ]