ومما عُدَّ من القرائن المخصصة وليس منها:
خصوص السَّبَب الذي ورد الخطاب عليه.
فلقد اختلف الأصوليون في خصوص السَّبَب، هل يمنع التَّعلُّق بعموم اللفظ أم لا؟
* فقال قوم: إنَّ ورود الخطاب العام على سبب خاص يمنع التعلُّق بعموم اللفظ، ويقتصر اللفظ على السَّبَب.
* وقال آخرون: إنَّه لا يمنع التعلُّق بعموم اللفظ، ولا يقتصر اللفظ على السَّبَب، بل يجري على عمومه؛ وهو الصحيح (^٣).
_________________
(١) هكذا جاءت المسألة في المخطوط، وفيها نقص ظاهر، ونقل الزركشي عن الكيا كلاما فيها ليس موجودا عندنا، حيث قال ما نصه: «القول الموجز فيه أن موجب الخلاف الاندراج، ولكن اشتهر عرف الاستعمال بخلافه، وذلك لا يوجب تأثيرا في موجب اللفظ إلا أن يكون عرف الاستعمال راجعا إلى غير اللفظ، لا إلى حال المخاطب. قال: وهذا دقيق قاطع خيال المخالف». «البحر المحيط» (٣/ ١٩٣).
(٢) انظر: «البرهان» (١/ ٢٥٣، ٣٦٣)، «المنخول» (ص ١٥١)، «الوصول» (١/ ٢٢٥).
(٣) نقل الزركشي تصحيح إلكيا. «البحر المحيط» (٣/ ٢٠٣). ونقل كذلك عنه مسألة أخرى، وهي: أن العام الذي لم يرد على سبب أقوى من الذي ورد على سبب. انظر: (٣/ ١٣١) من نفس الكتاب. وجاء في موضع آخر كذلك أنه قال: «العام الذي لم يرد على سبب أقوى وهذا دونه، قال: ولا جرم قال الشافعي إن قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية لا نرى دلالته على حصر المحرمات فيما رآه مالك؛ فإنه نزل على سبب، وهو عادة العرب في تناول الموقوذة والمتردية، فيحتمل أن يكون أراد لا محرم مما يأكلون إلا كذا وكذا يعم، قد بان الشرع بصيغة=
[ ١٤٥ ]
واعلم: أنَّ المسألة مفروضة في لفظ لا يستقل بنفسه دون سببه، كقوله صلى الله عليه - وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر: «أينقص الرطب إذا يبس؟» فقيل: نعم، فقال: «فلا إذا» (^١).
ولذلك أمثلة كثيرة:
* منها: ما رُوي أنه صلى الله عليه سئل عن ماء بئر بضاعة، أيتوضأ بها؟ - وأنَّها يُطرح فيها لحوم الكلاب والمحايض -، فقال صلى الله عليه وآله: «خُلق الماء طهورا، لا ينجسه شيء؛ إلا ما غير طعمه أو ريحه» (^٢).
* وكذلك: قوله صلى الله عليه - وقد سئل عن رجل اشترى عبدا فاستغله، ثُمَّ وجد به عيبًا فردَّه، فطالبه البائع بالغلة والخراج، فقال: «الخراج بالضمان» (^٣).
_________________
(١) = في تمهيد قاعدة. ثم يجعل محل السؤال كالفرع له، أو كالمثال، فذلك لا يوهن التعلق بعموم اللفظ، كقوله: "إنما الأعمال بالنيات"، ثم قال: فمن كانت هجرته الحديث. ومحل السؤال الهجرة، ولكن اللفظ لا يتأثر ولا ينحط عن غيره …». «البحر المحيط» (٣/ ٢٠٩ - ٢١٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٣٥٩)، والترمذي (١٢٢٥)، والنسائي في «الكبرى» (٥٩٩١)، وابن ماجه (٢٢٦٤)، وأبو يعلى في «مسنده» (٨٢٥)، والطوسي في «مستخرجه» (١١٣٤) وغيرهم من حديث سعد بن أبي وقاص.
(٣) لم نجده بهذا اللفظ، وأخرجه أحمد (١١١١٩)، وأبو داود (٦٧)، والترمذي - وحسنه - (٦٦) وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: «إنَّ الماء طهور لا ينجسه شيء»، وأخرج ابن ماجه (٥٢١)، والطبراني في (الكبير) (٧٥٠٣) «والأوسط» (٧٤٤)، والدارقطني (٤٧، ٤٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٢٢٩) من حديث أبي أمامة مرفوعا: «الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه»، وفيه رشدين بن سعد، وهو ضعيف. وله طريق آخر عند عبد الرزاق (٢٦٤) عن عامر بن سعد مرسلا، وقال البيهقي عقب الحديث: «والحديث غير قوي …»، يعني قوله: «إلا ما غلب على ريحه أو طعمه».
(٤) أخرجه أحمد (٢٤٢٢٤، ٢٥٩٩٩)، أبو داود (٣٥٠٨، ٣٥٠٩، ٣٥١٠)، والترمذي
[ ١٤٦ ]
* وكذلك: روي أنه صلى الله عليه اجتاز على جماعة واقفين على شيء، فسأل عن ذلك، فقيل: «امرأة مقتولة»، فقال صلى الله عليه: «ما بالها قُتلت وهي لا تقاتل؟!» (^١).
ففي مثل هذه المواضع نقول: المعتبر عموم اللفظ، لا خصوص السبب، ونحتج بعموم اللفظ، فنسوي بين بئر بضاعة وغيرها، ويُسوَّى بين البيع وغيره.