فأما الأدلة المنفصلة؛ فهي تنقسم قسمين:
* إلى ما يوجب العلم ويفضي إلى اليقين.
* وإلى ما يوجب الظَّنَّ.
- فأما الأدلة الموجبة للعلم: فهي مصدَّرة بأدلة العقل؛ لأنَّ العمومات لا يجوز انطواؤها على ما يخالف الأدلة العقلية.
_________________
(١) قال الزركشي: «قال إلكيا الطبري وغيره: القائلون بأنه يحمل عليه من جهة القياس اختلفوا، هل القياس مخصص للمطلق أو زائد فيه، فمنهم من قال: إنه يقتضي تخصيص المطلق لا الزيادة فيه. قال القاضي عبد الوهاب: وهو الصحيح. ومنهم من قال: يقتضي الزيادة فيه، وجوز الزيادة بالقياس، ولم يقدره نسخا». «البحر المحيط» (٣/ ٤٢٢).
(٢) هذا الفصل مكرر، حيث سبق نحوه في (ص ١٥٦).
[ ١٦٢ ]
كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ (^١)، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (^٢)، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ (^٣)، وما أشبه ذلك؛ فإنَّ هذه الآيات دالة على الاستغراق وقد أخرجنا منها المجانين، ومن لا عقل له - كالصغار -.
وكذلك قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٤)، فاقتضى دليل العقل إخراج ذاته سبحانه وصفاته عن انطواء هذا اللفظ عليها وإن كانت أشياء.
واعلم أن من النَّاس من خالف في هذا فقال: لا يُعَدُّ تخصيصًا، ولا يسمى به؛ لأنَّ التخصيص: «هو أن يُخرج من اللفظ بعض ما دخل تحت اللفظ»، وهاهنا المخرج لم يتناوله اللفظ، ولا يتوهم دخول ما يقتضي العقل إخراجه في اللفظ، بل يقال: لم يدخل ذلك في اللفظ، ولهذا سفّه الله آراء أقوام، حيث توهموا مثل ذلك واعتقدوا أنَّ من جرى هذا المجرى تناولهم اللفظ، وإنَّما أخرج بدليل العقل، وذلك في قصة عبد الله بن الزبعرى، لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (^٥) قال: «اليوم أخصم محمدًا»، فجاء إليه وقال: «يا محمد، إنَّ المسيح والملائكة عبدوا من دون الله، أفيكونون في النَّارِ حَصَبَ جَهَنَّمَ؟»، فنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى
_________________
(١) النساء: ١.
(٢) البقرة: ٢١.
(٣) النساء: ١٣٥.
(٤) الأنعام: ١٠٢.
(٥) الأنبياء: ٩٨.
[ ١٦٣ ]
أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (^١) (^٢) في معرض الإنكار عليهم في اعتقادهم دخول
هؤلاء تحت اللفظ (^٣).
مسألة: هل يجوز تخصيص العموم بالقياس أم لا؟ (^٤)
* أما الفقهاء وكلُّ مَنْ خصَّ بخبر الواحد، خصَّ بالقياس أيضًا.
* وقال قوم: يخص بالقياس الجلي، ولا يخص بالقياس الخفي.
والقياس الجلي مثاله: قوله صلى الله عليه: «لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان» (^٥)، فعلمنا من هذا أنَّ العلة فيه كونه غير مقتدر على استيفاء النَّظر وكمال الاجتهاد؛ لأنَّ الغضب يُذهل خاطره، ويأخذه حيرة ودهشة تمنعه من توفر النَّظَر، ثُمَّ نحن قسنا عليه الخائف والحزين والذي يعرض له من العوارض الجبلية والأمور التي تشغله عما هذا سبيله، - كالجوع المفرط، ومدافعة الخارج، وما شاكل ذلك - في كونه مانعا من توفر النَّظَر.
* قال القاضي: «أنا أتوقف فيه؛ فإنّي إذا توقفت عند معارضة خبر الواحد الصريح، فعند معارضة القياس أولى» (^٦).
_________________
(١) الأنبياء: ١٠١.
(٢) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٢٧٣٩)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٩٨٦)، والحاكم في «المستدرك» (٣٤٤٩)، والضياء في «المختارة» (٣٢٤، ٣٥١) وغيرهم من حديث ابن عباس.
(٣) وقد نقل الزركشي عن الكيا وغيره أن النزاع هنا لفظي. انظر: «البحر المحيط» (٣/ ٣٥٧).
(٤) انظر: «مسائل الخلاف» (ص ١١٨)، «البرهان» (١/ ٢٨٦)، «الوصول» (١/ ٢٦٢).
(٥) أخرج نحوه البخاري (٧١٥٨)، ومسلم (١٧١٧) من حديث أبي بكرة.
(٦) بعدها في المخطوط فراغ بمقدار كلمتين تقريبا، وسياق الكلام يقتضي أن في الكلام سقطا=
[ ١٦٤ ]
والذي ذكره القاضي من قوله: «إنَّ هذا مظنونٌ، وفي العموم أيضا ظن من وجه؛ فقد تعارضا» (^١): هذا فيه نظر (^٢)؛ وذلك أن يقال:
اعلم أنَّ الظُّنون مختلفة الأنواع؛ قد يزيد بعضُها على بعض، فلا تنحصر مراتبها:
- فمنها ما يتأخر [عن] العلم ويقارب أوائل اليقين.
- ومنها ما يتأخر [عن] الشك ويقارب الجهل.
[فلا يساوى] في النظر في كلِّ واحدٍ من الظَّنَّين (^٣)؛ فقد يكون منها ما هو
_________________
(١) أو هناك اختزال في العبارة؛ بدليل ما يأتي بعده.
(٢) وأما إذا تساوى الظنان: فقد نقل الزركشي بأن إلكيا وغيره يتوفقون في القدر الذي تعارضا فيه، ونقل عنه ما نصه: «قال: ولا يظهر فيه دعوى القطع من الصحابة بخلافه في خبر الواحد. وهذا المذهب شارك القول بالتخصيص من وجه، وباينه من وجه، أما المشاركة فلأن المطلوب من تخصيص العام بالقياس إسقاط الاحتجاج، والواقف يقول به؛ وأما المباينة، فهي أن القائل بالتخصيص يحكم بمقتضى القياس، والواقف لا يحكم به». «البحر المحيط» (٣/ ٣٧٣ - ٣٧٤).
(٣) وكذلك نقل الزركشي عن الكيا - في مسألة التخصيص بخبر الواحد، وهي غير مذكورة في التعليقة التي بين أيدينا - كلاما يتفق مع مضمون هذه المسألة في الرد على القاضي أبي بكر في توقفه، ونص كلامه: «هو متجه جدا، ولكن الصحيح الجواز؛ لإجماع الصحابة عليه في مسائل، كنفي ميراث القاتل بقوله: «لا يرث القاتل»، مع قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾، والنهي عن الجمع بين المرأة وعمتها مع قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، إلى غير ذلك. وغاية المخالف أن يقول: لعل الخبر كان متواترا عندهم، ثم استغني عنه فصار آحادا، فقيل لهم: قد روى الصديق ﵁؛ «إنا معشر الأنبياء لا نورث» وطرحوا به ميراث فاطمة ﵂، فقالوا: كانوا علموا ذلك، وإنما ذكرهم الصديق. قلنا: لو كان متواترا لم يخف على فاطمة». «البحر المحيط» (٣/ ٣٦٨).
(٤) كانت العبارة في المخطوط كما يلي: (من النظر في كل واحد من الظنيين)، فتم إصلاحها مع تقدير ما يلزم حسب اجتهادنا. وانظر: «الوصول» (١/ ٢٦٧)
[ ١٦٥ ]
أقوى وأغلب من الآخر فيترجح ظنٌّ على ظنٍّ (^١)؛ وما وضع «كتاب الترجيح» إلَّا لهذا؛ فإن كان الظَّنِّيُّ الموجود في العموم أغلب: عُمل به؛ وإن كان الظَّنُّ المستفاد من القياس أغلب: عُمل به؛ ليس كالعلمين إذا حصلا لا يتضادان؛ لأنَّ اليقين ليس وراءه درجة أصلا يترقى إليها.
أما ما يتعلق بما ذكره بعض العلماء من الفرق بين القياس الجلي والخفي:
قال الشيخ (^٢): ليس هذا بقياس؛ لأنَّه مقطوع به، والقياس ما كان في رتبة الظَّنِّ، وهذا ليس في مقام الظَّنِّ، وإنَّما هو المنصوص عليه.
أما القاضي قال: «هذا الذي قالوه إنَّه قياس جلي: جهل من هؤلاء المدعين، بل هذا أمر يكاد يُعرف قطعًا من فحوى قوله صلى الله عليه».
[فقد] تبيَّن سفه رأي أصحاب داود ومن وافقهم على قولهم حيث قالوا: إنَّ قول رسول الله صلى الله عليه: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثُمَّ يغتسل به» (^٣) يُحمل على ظاهره في أنَّ الإنسان لو بال في كوز، ثُمَّ صبَّ ذلك في الماء، جاز أن يغتسل به فيه؛ أو تغوط فيه: حلَّ له أن يتطهر به؛ ومن قال مثل ذلك لا يُكَالَمُ.
_________________
(١) قارن بـ: «التلخيص» (٢/ ١٠٩ - ١١٠).
(٢) أي: إلكيا.
(٣) الحديث في «الصحيحين»، لكن ليس بهذا اللفظ، بل باختلاف يسير، فقد أخرجه البخاري برقم (٢٣٩) ولفظه: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه»، وهو في مسلم (٢٨٢) بلفظ: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه». وعند أبي عوانة في «مستخرجه» (٨٤٩)، والبغوي في «شرح السنة» (٢٨٤) بلفظ: «لا يُبال في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل به».
[ ١٦٦ ]
وبهذا الطريق حرمنا أكل مال الغير ولبسه والانتفاع به وأخذ مال اليتيم، وإن كانت الآية إنَّما تناولت الأكل، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ (^١)، فلا يقال: إنَّ التحريم مقصور عليه، بل الأكل وغيره سواء في التحريم واستحقاق الوعيد؛ لأنَّه يُعلم من فحوى الآية، وقرينة الحال: التسوية بينهما.
وكذا قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ (^٢) على هذا التقدير.
[فإن قيل:] فقد حكي عن الشافعي أنَّه قال: «إذا استنبط من العموم قياس، وذلك القياس يعكس على المستنبط منه بالإبطال: كان القياس باطلًا في نفسه».
واعلم أنَّ هذا على خلاف ما تدلُّ عليه مسائله.
- والذي صح عنه: أنَّه قال - مع اختلاف أقواله في القاتل هل يرث أم لا؟: «إنَّ القاتل إذا كان حاكمًا أو جلادًا أو ما جرى هذا المجرى أنَّه يرث. فقيل له: كيف يرث وقد قال النبيُّ صلى الله عليه: "لا يرث القاتل من مال مقتوله شيئًا" (^٣)، وهذا قاتل؟ أجاب بأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه إنَّما أراد بقوله القاتل الذي
_________________
(١) النساء: ٢.
(٢) البقرة: ١٨٨.
(٣) لم نجده بهذا اللفظ؛ لكن أخرج الشافعي في «مسنده» (١٣٤٨)، «ترتيب سنجر، باب: لا يرث القاتل من مقتوله شيئًا»، وأحمد (٣٤٦) وغيرهما - ضمن قصة - من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: «لا يرث القاتل». وفي رواية أبي داود (٤٥٦٤) والبيهقي (١٢٢٤٠) وغيرهما: «ولا يرث القاتل شيئا»، وأخرج ابن أبي شيبة (٣١٣٩٨) عن سعيد بن المسيب=
[ ١٦٧ ]
يكون القتل منسوبًا إليه من كلّ وجه، ولم يكن قاتلًا بحق، فتأثير القتل (^١) بغير حق، ففهم من مقصوده صلى الله عليه أنَّ المحروم: هذا القاتل؛ فأما إذا لم يكن القتل منسوبًا إليه من جميع الوجوه؛ فلا. والقاتل بحق لا تنسب إليه القتل من كل وجه، بل هو منتف عنه؛ لأنَّ المغلّب جهة الحق الذي استحق عليه، فيكون الحق قد قتله، ولهذا لا يُنسب إليه، وعن هذا قال علي ﵇: «ما من مسلم يموت في حد فأجد في نفسي شيئًا منه - الحق (^٢) قتله - إلا شارب الخمر؛ فإنَّه شيء رأيناه بعد رسول الله صلى الله عليه» (^٣). فإذا كان على هذا السبيل، خرج عن العموم.
_________________
(١) = مرفوعا: «لا يرث قاتل من قاتل قريبه شيئا من الدية عمدا أو خطأ». وأخرج ابن أبي شيبة (٦/ ٢٨٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٦/ ٣٦١) نحوها عن عدد من الصحابة.
(٢) أي: الوارد في الحديث، هو ما كان بغير حق.
(٣) كذا في المخطوط، وهي موافقة لما جاء في بعض المصادر - كـ: «الجمع والفرق» لأبي محمد الجويني (٣/ ٤٨٢)، و«غياث الأمم» لأبي المعالي الجويني (ص ٢٢٦) ـ، وهذ وإن كان له وجه، إلا أن الذي في أكثر المصادر بالدال المهملة (الحد) - وهو أقرب، ولا يبعد أن يكون ما وقع عند أبي محمد الجويني وإمام الحرمين وإلكيا هو من التصحيفات القديمة، والله أعلم. وانظر الحاشية التالية.
(٤) لم نجده بهذا اللفظ مرفوعا، لكن أخرج البخاري عن علي (٦٧٧٨) أنه قال: «ما كنت لأقيم حدا على أحد فيموت، فأجد في نفسي، إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يَسُنَّهُ»، وهو كما ترى خال عن محل الشاهد - فيما أورده الإمام إلكيا - الذي هو: «الحق قتله»، لكن أخرج عبد الرزاق (١٨٠٠٢) عن علي أنه قال في الذي مات في قصاص: «قتله كتاب الله». وانظر: «مصنف» ابن أبي شيبة (٢٧٦٦٦، ٢٧٦٧٢). فإما أن يكون لفظ إلكيا مركبا من أثرين، وإما أن (الحق) الواقعة في نسختنا مصحفة من (الحد)، وانظر: «البدر المنير» (٨/ ٤٠٧)، «إرواء الغليل» (٧/ ٢٩٧). والله أعلم.
[ ١٦٨ ]
- ومن ذلك أيضا ما صح عنه (^١) أنه قال: «إنَّ لمس ذوات المحارم لا ينقض الوضوء»، فقيل له: أليس قد قال الله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (^٢)، وهذا قد لمس، فيجب أن ينتقض وضوؤه؟ فقال: «نعم؛ إِلَّا أَنَّ الله تعالى استاق اللمس في استياق الأحداث الناقضة من خروج الخارج وغيره، وذكر اللمس لأنَّه أمر قد يتعقبه خروج الخارج في العادة، فالظاهر في هذا المحل أنَّه إنَّما أراد في هذا المحل اللمس المجرَّدِ للشَّهوة، وهذا إنَّما يتحقق في لمس غير المحرمات؛ فأَمَّا لمسهن، فلا؛ وهذا أمر يلوح مقترنًا بسماع اللفظ ومعرفة الاستنباط» (^٣).