* فالذي عليه المعظم من المحققين أنه لا يجوز ذلك، وهذا هو مذهب الشافعي؛ قال الشافعي: «الاعتبار بما رواه، لا بما رآه». ونُقل أنَّه قال: «رواية الراوي أولى من مذهبه ورأيه»، وفعله لا عبرة به مع نقله.
* ونقل عن أصحاب أبي حنيفة أنهم قالوا: «يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي».
وهذا غير صحيح:
لأن رأيه ليس بأولى من رأي غيره.
ولأنَّه ممَّن يُقَرُّ على الخطأ ويجوز عليه الزلل، فكيف يترك القول المقطوع به بقول موهوم صحتُه؟! قال الشافعي: «كيف أترك الحديث لآراء قوم لو لقيتهم
_________________
(١) هذا الكتاب غير موجود في النسخة التي حققناها.
(٢) انظر: «البرهان» (١/ ٢٩٤)، «المستصفى» (٢/ ٧٨٠)، «الوصول» (١/ ٢٨٨).
[ ١٧٦ ]
لحاججتهم بالحديث!» (^١).
- ولأن قول رسول الله صلى الله عليه حُجَّةٌ، وقول الراوي ليس بحُجَّةٍ، وفعله صلى الله عليه أيضًا حُجَّةٌ، وفعل الراوي (^٢) ليس بحُجَّةٍ، فكيف يُترك الحُجَّة بما ليس بحُجَّةٍ!؟ فكان عموم اللفظ مقدما على أقوالهم وآرائهم.
فالعمل بالعموم أولى من تركه والرجوع إلى رأي الراوي ومذهبه.
هذا كما روي عن ابن عباس أنَّه قال: قال صلى الله عليه: «من بدل دينه فاقتلوه» (^٣)، وصح من مذهبه أن المرتدة لا تقتل.
فهذا كلام رسول الله صلى الله عليه؛ كيف يُترك بمجرد رأي الراوي واجتهاده، وليس له تعلق باللفظ، ولا يرتبط به بحال.
بلى، لو كان لفظ الحديث مترددًا بين محامل جمةٍ وجهات شتى - مثل أن يكون محتملا عدة احتمالات -، ثُمَّ حَمل الراوي الحديث على بعض محتملاته وخص به، فيكون ما حمله الراوي عليه أولى بالاعتبار، فيقدم ذلك على غيره؛ لأنه أعرفُ بشواهد الأحوال وقرائن المقال (^٤).
_________________
(١) انظر: «البرهان» (٢/ ٧٦١).
(٢) بعدها في المخطوط: (قال). الظاهر أنها مقحمة.
(٣) أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس.
(٤) نقل الزركشي عن إلكيا وابن فورك أنها حالتان، فقال ما نصه: «المختار أنا إن علمنا من حال الراوي أنه إنما حمل على ذلك بما علم من قصد النبي ﷺ: وجب اتباعه لئلا يفضي إلى مخالفة النبي ﵇، وإن حمله على وجه استدلال أو تخصيصا بخبر آخر: فلا يجب اتباعه». انظر: «البحر المحيط» (٣/ ٤٠٢). وقارن مع نفس الكتاب (٤/ ٣٦٧، ٣٦٩).
[ ١٧٧ ]
مثال ذلك: ما رُوي أنَّ عمر اجتاز على طلحة الصراف (^١) وعنده مالك بن أوس بن الحدثان - وقد أعطاه ورقًا ليأخذ منه ذهبًا ـ، فقال له طلحة: إنَّ الخازنة غائبة، فلو غبت ساعةً وجئتَ حتّى تجيء الخازنة الغائبة، فسمعه عمر فعلاه بالدرة فقال: لا تفارقه حتى يعطيك حقك أو يرد عليك ورقك، سمعت رسول الله صلى الله عليه: «الذهب بالذهب رِبًا إِلَّا هاء وهاء، والفضة بالفضة ربًا إلَّا هاء هاء …» وساق الحديث (^٢).
قال الشافعي: «لما كان قوله صلى الله عليه «يدا بيد» يحتمل الغيبية، ويحتمل القبض في المجلس، وحَمَلَهُ عمر على القبض: رجعنا إلى تأويله لذلك اللفظ، فرجَّحناه على تأويل غيره».
قال الشافعي: «وكيف لا يكون كذلك ولا نتبع تأويلهم، وقد شهدوا وغبنا، وسمعوا وأخبرنا، واطلعوا على القرائن وما اطلعنا». وقد يشاهد المعاين قرائن ما يغيب عنا، فيكون ما يراه من الوجوه أولى؛ لأنَّه أعرفُ بمخارج الكلام ومقصودِ الرسول صلى الله عليه، فكان المصير إلى تأويلهم أولى من هذا، بخلاف مخالفة الحديث بمجرد الرأي والمذهب ومجرّد المعتقد من غير أن يكون راجعا إلى احتمال اللفظ أو غيره؛ لأنَّ ذلك ترك للحديث من غير دليل ولا احتمال وجه له، وذلك باطل؛ فإنَّ الرَّاوي محجوج بالحديث في هذه الحالة كغيره، فكيف يترك الحديث بقوله؟! وهذا واضح لا غبار عليه.
_________________
(١) كذا في المخطوط، والمقصود طلحة بن عبيد الله، أحد العشرة المبشرين بالجنة.
(٢) أخرج نحوه البخاري (٢١٧٤)، وعبد الرزاق (١٤٥٤١)، وأحمد (٢٣٨)، البيهقي في «السنن الكبرى» (١٠٤٧٤) وغيرهم، ولفظ البيهقي للقصة أتم.
[ ١٧٨ ]