اعلم أنَّ هذا النوع من الدَّليل سُمِّي بأسماء؛ منها: «مفهوم الخطاب»، و«دليل الخطاب»، و«لحن الخطاب»، و«فحوى الخطاب»، و«التنبيه».
وهو منقسم إلى:
* مفهوم الموافقة.
* ومفهوم المخالفة.
فأما مفهوم الموافقة؛ فهو إثبات الحكم في غير المنطوق به على الوجه الذي ثبت في المنطوق به على موافقته ومطابقته.
مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ [لَهُمَا] أُفٍّ﴾ (^٢)؛ نص على تحريم التأفيف، ثُمَّ فُهم من هذا الكلام تحريم أنواع التعنيف وضروبه من السب والشتم والضرب وغير ذلك، حتى لو نص الشرع على الجمع بينهما: استحال ذلك وعُدَّ تناقضًا؛ فإنَّه لو قال: «لا تقل لهما أف واشتمهما» … (^٣).
واختلف الأصوليون بعد ذلك في أنَّ هذا الحكم؛ هل هو مستفاد؟
_________________
(١) انظر: «البرهان» (١/ ٢٩٨)، «المنخول» (ص ٢٠٨)، «الوصول» (١/ ٣٢٩).
(٢) الإسراء: ٢٣.
(٣) يظهر أن هنا سقطًا. ولعل تقديره: «… لكان هذا خارجًا عن لسان العرب». انظر: «إيضاح المحصول» (ص ٣٣٦). ويحتمل أن لا سقط، وأنَّ أصل الكلام: (كما لو قال …)، بدل: (فإنه لو قال …).
[ ١٩٣ ]
من نفس اللفظ فحسب، أو هو مستفاد من قرائن ومخايل اقترنت باللفظ؟
* فقال قوم: إنَّه مفهوم من نص اللفظ؛ بدليل التناقض عند الجمع.
* وقال قوم - وهم المحققون -: إنَّ هذا غير نص، وإنَّما هو مستفاد ومفهوم من قرائن ومخايل اقترنت باللفظ، وهو سياق الآية (^١).
ولهذا نظائر في كتاب الله تعالى، و[من] ذلك:
قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (^٣)، ولا حبل ممدود، ولا عُروة، وإِنَّما أراد أوامر الله تعالى والمحافظة على دينه وحدوده.
وقوله: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ (^٤)، ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ (^٥)، ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَهُمْ﴾ (^٦)، إلى غير ذلك؛ فهذا القسمُ الأَوَّلُ.
والقسم الثاني: وهو مفهوم المخالفة.
مثاله: قوله صلى الله عليه: «في سائمة الغنم زكاة» (^٧)، دل تخصيصه السائمة بالزكاة على أن المعلوفة لا زكاة فيها.
_________________
(١) بعدها في المخطوط بياض مقدار كلمة أو كلمتين.
(٢) آل عمران: ١٠٣.
(٣) البقرة: ٢٥٦.
(٤) الشعراء: ٢٠٨
(٥) الأنبياء: ١١.
(٦) الكهف: ٥٩.
(٧) تقدم تخريجه. انظر: (ص ١٧٥).
[ ١٩٤ ]
والمشهورُ عن الشافعيِّ وجُلُّ أصحابه: [أنه] يدلُّ على نفي الحكم عما عدا المذكور، وإليه ذهب أكثر الأصوليين (^١) (^٢).
_________________
(١) يلحظ في القسم الثاني من هذه المسألة اختزال لا يناسب ما ذكره في القسم الأول، فلم يذكر أنواعه ولا تفصيل الخلاف فيه، وهذا مما قد سبق التنبيه عليه في مسائل أخرى من وجود التباين في النسخة الخطية في عرض المسائل بين توسع واختصار مخل أحيانا. وقد أورد الزركشي أن إلكيا ذكر بعض أنواع المفاهيم، ومنها مفهوم الحال. انظر: «البحر المحيط» (٤/¬٤٤)، وكذلك أورد عنه مفهوم الحصر، ونص ما نقل عنه: «وقال إلكيا: المفهوم يجري في النفي كالإثبات، ولا فرق بين قوله: القطع في ربع دينار، وبين قوله: لا قطع إلا في ربع دينار. قال: ومن العلماء من قال: إذا قال: لا قطع إلا في ربع دينار، كان نصا في القطع في الربع، مفهوما في الذي فوقه ودونه». «البحر المحيط» (٤/¬٥٠)، وانظر: (٤/ ٥١ - ٥٢، ٥٥) من نفس الكتاب.
(٢) نقل الزركشي عن الكيا أن دلالة المفهوم أقوى من دلالة العموم المنطوق، فقال ما نصه: «وقال إلكيا الطبري: دلالة المفهوم أقوى من دلالة العموم المنطوق، فإذا قال: "أعط زيدا درهما"، ثم قال: "إن دخل الدار فأعطه درهما"، كان الثاني أقوى. والدليلان إذا تعارضا قضي بأقواهما». «البحر المحيط» (٣/ ٣٨٥).
[ ١٩٥ ]