عند أهل الجماعة أن حقيقة الأمر والنهي واحدة، وهو: الاقتضاء والطلب؛
إلا أن الأمر اقتضاء الفعل، والنهي اقتضاء الترك. فأما في أصل الطلب: فعلى صفة واحدة (^٢)، وبينهما افتراق في تفاصيل، من ذلك:
- أن الأمر لا يقتضي الدوام، والنهي يقتضي الدوام.
- والأمر قد يكون على الفور وقد لا يكون - على ما اختلف الناس فيه ـ، والنهي على الفور.
- وكذلك الأمر يجوز أن يرد بشيء من أشياء لا بعينه على سبيل التخيير.
وهل يجوز أن يرد النهي عن شيء من أشياء لا بعينه؟ - مثل أن يقول: «لا تفعل هذا أو هذا» ـ؛ اختلف الناس في ذلك:
* قال قوم: ليس هذا تخييرا في ترك أحدهما، بل قوله: «لا تفعل هذا»، نهي عنه صريحا، وقوله: (أو هذا)، ضم نهي آخر إلى النهي الأول، قالوا: فهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (^٣)، معناه: ولا كفورا (^٤).
_________________
(١) انظر: «البرهان» (١/ ١٩٩).
(٢) في المخطوط: (زائدة)، ولعل الصواب ما أثبت.
(٣) الإنسان: ٢٤.
(٤) لم يحك القول الثاني، فيحتمل أن هنا سقطا، وقد نقل الزركشي عن إلكيا مزيد بيان في هذه المسألة، فقال ما نصه: «وقال الكيا الهراسي: الذي يقتضيه رأي أصحابنا في النهي عن أشياء على=
[ ١٢٥ ]
D:\ تنسيق\مراجعة ٧\مراجعة ٨\جديد\التعليقة في الأصول للكيا\التعليقة في الأصول للكيا ٠١
[ ١١٣ ]
[مسألةً: هل النهي يقتضي الفساد؟] (^١)
اختلف الناس:
* فقال الفقهاء وأهلُ الظَّاهر في النهي المطلق: يدلُّ على فساد المنهي عنه.
* وقال المحققون من الأصوليين (^٢): إنَّ مجرد النهي ومطلقه لا يدلُّ على فساد المنهي عنه.
* وقال أبو الحسين البصري (^٣): «إن كان ذلك في العبادات: دلّ على فساد المنهي عنه؛ وإن كان في غيرها من عقود المعاملات: لا يدل على فساد المنهي عنه».
_________________
(١) = التخيير أن النهي يقتضي قبح المنهي عنه، وولا يصح أن يكون الأضداد بجملتها قبيحةً، ولا ينفك الإنسان عن واحد منها، فلا يحسن أن ينهى عنها بأجمع، فإذا نهى عن ضدين قد ينفك عنهما إلى ثالث: صح، ويصح منه فعلها جميعا؛ لأنَّ أي واحد منها فعله كان قبيحًا، والنهي عنهما مع تضادهما عن الجمع لا يحسن؛ لأنَّ الجمع بينهما ليس في المقدور، وما لا يقدر عليه لا يُكلّف به، ومتى ما أمر بشيئين ضدين كان له فعل كل واحد منهما. وهذا يبين صحة ما قدمناه من أنه إذا لزم المكلف أن يفعل أحد الضدين: كانا واجبين على التخيير، فإذا نهي عن أحدهما لا يصح إلا أن يكون محل النهي، فأما النهي عن شيئين مختلفين يصح الجمع بينهما على التخيير: فلا يصح، ويفارق الأمر في ذلك. وقال في موضع آخر: ممَّا يفارق الأمرُ النَّهي: أنه إذا نهي عن أشياء بلفظ التخيير: لم يجز له فعل واحد منهما، ولفظ التخيير فيه كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ﴾ الآية» انظر: «البحر المحيط» (١/ ٢٧٣ - ٢٧٤).
(٢) انظر: «البرهان» (١/ ١٩٤، ٢٠٤)، «المنخول» (ص ١٢٦)، «الوصول» (١/ ١٨٥).
(٣) نقل الزركشي عن إلكيا نسبة هذا القول عن «أكثر الأصوليين». «البحر المحيط» (٢/ ٤٤٣).
(٤) ينظر: «المعتمد» (١/ ١٨٤).
[ ١٢٦ ]
مسألة (^١)
اختلف العلماء في الصَّلاة في الدار المغصوبة على مذاهب:
* فالذي ذهب إليه أبو هاشم الجبائي أنَّها باطلة غير مجزئة، وهي معصية لله تعالى، ولا يجوز أن يرد الشرع بصحتها وكونها طاعةً، ويستحيل ذلك.
* وقال الفقهاء: إنَّها طاعةٌ من وجه، ومعصية من وجه؛ فمن حيث كونها صلاة طاعةٌ، ومن حيث كونها شغلًا لملك الغير معصيةٌ.
مسألة (^٢)
وهي أن من توسط أرضًا مغصوبةً، ثُمَّ تاب وأناب؛ فما الذي يفعل؟ وماذا يجب عليه؟
أطبق المسلمون على أنه يجب عليه أن يقصد أقرب الطرق، ويتوخى أقصر (^٣) المسالك، ويختاره للخروج منها، ويُسرع في عدوه ويشتد في خروجه؛ فإذا فعل ذلك كان طائعا الله تعالى في خروجه ولا إثم عليه؛ هذا ما اتفقت عليه الفرق؛ إلَّا ما حكي عن أبي شِمْرٍ المرجئ أنه قال: «يكون عاصيا بخروجه، كما كان عاصيا بدخوله»، ولم يتابعه على ذلك أحد (^٤).
***
_________________
(١) انظر: «البرهان» (١/ ١٩٤)، «المنخول» (ص ١٢٩)، «الوصول» (١/ ١٨٨).
(٢) انظر: «البرهان» (١/ ٢٠٨)، «المنخول» (ص ٣١)، «الوصول» (١/ ١٩٤).
(٣) ظاهر الرسم في المخطوط: (أقصد)، ويحتمل المثبت، وهو الموافق للسياق.
(٤) قارن مع: «الوصول» (١/ ١٩٦).
[ ١٢٧ ]
مسألة (^١)
وقد بنى الفقهاء على ذلك مسألة فقهيَّةً، فقالوا: لو أنَّ الرَّجل كان مخالطًا لأهله في ليل شهر رمضان، ثُمَّ طلع عليه الفجر وهو مخالط؛ فإنَّه يجب عليه النزع، وهو مأمور به؛ فنزع، فإلى أن يستكمل النزع فهو مخالط مواقع مجامع، فهل يكون عاصيا بالنزع أم لا؟
اختلف الناس في ذلك:
* فمذهب أهل الجماعة: أنه لا يكون عاصيا؛ لأنَّ هذا الفعل متردد بين أن يكون مباحًا وبين أن يكون واجبًا؛ فأيهما كان: فلا وجه للتأثيم.
* ومن الناس من قال: إنَّه يكون عاصيًا، والفعل يكون معصيةً؛ لأنَّه مخالط بعد الفجر.