* شكر المنعم واجب بالسمع.
* وقالت المعتزلة: يجب عقلا.
* قالوا: نقول: الشكر هو الإقدام على المستحسنات، والإحجام عن المستقبحات العقلية (^٢).
قلنا لهم: لا يخلو أن يكون الشكر عائدًا إلى غرض الشاكر أو المشكور:
_________________
(١) انظر: «البرهان» (١/ ٨٤)، «المنخول» (ص ١٤)، «الوصول» (١/ ٦٦)، «الأوسط» (ص ٣٣٩).
(٢) نقل ابن السبكي عن الكيا كلاما يحسن إيراده هنا، فقال ما نصه: «قال الإمام أبو الحسن الطبري المعروف بـ: إلكيا في تعليقه في الأصول - ومن خط ابن الصلاح نَقَلتُ ذلك: «مسألة شكر المُنْعِم عين مسألة التحسين والتقبيح، بيانه: أنا نقول: ليس الشكر اللفظ، فما معناه؟ قالوا: المعرفة. قلنا: المعرفة تراد للشكر، فكيف تكون نفس الشكر! فلا بد أن تتقدم على الشكر، فإِنما شَكَرَ مَنْ عَرَف. قالوا: فلا نُطَوّل، نعني بالشكر ما تعنون أنتم. قلنا: الشكر عندنا امتثال أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه. قالوا: فنحن نقول الشكر: هو الإقدام على المستحسنات واجتناب المستقبحات. قلنا: فهذه هي مسألة التحسين والتقبيح بعينها. قال: ولكننا أفردناها بالكلام على عادة المتقدمين». انظر: «الإبهاج» لابن السبكي (٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩). ويراجع: «سلاسل الذهب» (ص ٩٩ - ١٠٠).
[ ٨٧ ]
أما الشاكر، فلا غرض له في الشكر (^١).
* فإن قالوا: فإذا قلتم: «لا يُعلم شيء إلَّا بالسمع»، كان فيه إبطال للسمع ورد لما جاءت به الرسل، وهذا هو السؤال الملقب بـ: «إفحام الأنبياء» صلوات الله عليهم (^٢).
وبيان ذلك: وهو أنَّ «النَّبيَّ» إذا تصدَّى للنبوة والرسالة، وتحدى النَّاس بمعجزاته، ودعا الخلق إلى طاعته واتباعه فيما جاء به يقول هذا المدعو: «لا يلزمني قبول قولك، والنَّظر في معجزتك؛ لأنَّ ذلك لا يلزمني إلا بالسمع، ولم يثبت السمع عندي، ولا استقرَّ الشَّرع الموجب للنظر؛ والعقل لا يوجب، فلا يجب عليَّ النَّظَرُ»، وفي هذا إفحام للأنبياء، ورد الحجج الله تعالى على خلقه، وسد لباب الإيمان على الخلق، وفيه إبطال الشرائع؛ وكلُّ مذهب يؤدي القول به إلى بطلان الشرائع، فهو باطل.
وقرروا هذا على وجه آخر، فقالوا: أنتم إذا قلتم بأنَّ النظر في السمع يجب بالسمع، كان فيه إبطال للسمع؛ لأنَّه إنَّما يكون النظر واجبًا بالسمع في فروع السمع دون أصله، فأنتم إذا أوجبتم النظر في السمع بالسمع، فقد أوجبتموه لتعلموا السمع بالسمع، وفي هذا جعلُ السَّبب مُسَبَّبا والموجِبِ مُوجَبًا، وهذا باطل.
_________________
(١) يظهر أن الجواب لم يكتمل. ولعل تقدير الكلام: «أما الشاكر، فلا غرض له في الشكر. وأما المشكور: فلا ينتفع به». وللمزيد يُراجع: «الوصول» (١/ ٦٦).
(٢) تنظر المسألة في: «البرهان» (١/ ٨٥)، «الوصول» (١/ ٦٨).
[ ٨٨ ]
• قلنا: نقلب السؤال والإلزام عليكم؛
فنقول: ما ألزمتمونا في الشرع المنقول، يلزمكم قبله في قضيَّات العقول؛ فإنَّا نقول: أنتم ماذا تقولون؟ أتقولون إنَّ النَّظر يجب بمجرد العقل، أم بأمرٍ زائد عليه؟
* فإن قلتم بمجرد العقل، فباطل؛ لأنه لو كان يُعلم، لاشترك العقلاء فيه. فلما وقع الخلاف، دل أنَّه لا يُعلم (^١) بمجرد العقل.
* فإن قالوا: لا بُدَّ من أمر زائد.
• قلنا: وما ذلك الأمر الزائد؟
* قالوا: الخاطرة (^٢) التي تخطر للعاقل في نفسه وتُجاري حسه، فيقول: «لعل لي ربا إن شكرته أثابني، وإن كفرته عاقبني»، فيحدوه عقله عند جريان الخواطر له على النظر في سلوك طريق النجاة والإعراض عن سلوك طريق الهلاك.
• قلنا: فهذه الخواطر تقع بكل عاقل أم ينفك منها عاقل؟
* فإن قالوا: لا يتصور أن ينفك منها عاقل، فمحال؛ فإنَّا نعلم أهل القرى والرساتيق (^٣) لا تجري لهم هذه الخواطر.
_________________
(١) قوله: (لا يُعلم) في المخطوط: (لا يعمل)، والمثبت هو الموافق لسياق الكلام.
(٢) في المخطوط: (الخاطر). والمثبت هو الموافق للسياق.
(٣) جمع رستق، معناه السواد والقرى، ويقال أيضا: رزداق، معرب: «رستا»، أو: «رسته». انظر: «المعرب» للجواليقي (ص ٢٠٥ - ٢٠٦)، «المصباح المنير» (ص ١١٩)، «القاموس المحيط» (ص ٨٨٦).
[ ٨٩ ]
* وإن قالوا: بل يتصور أن ينفك بعض العقلاء عنها.
• قلنا: فهذا الخاطر (^١) يخلقها الله تعالى وتقع ضرورةً، أم هو يخطر بها [و] ويجيلها بباله؟
* فإن قالوا: يخلقها الله تعالى، فباطل؛ لأنَّه لو وقع ذلك، لكان يشترك فيه العقلاء.
* وإن قالوا: بل يقف على اختياره وإيثاره وهو يخطرها بقلبه.
• قلنا: هذا غرضنا، ليس أنَّ النظر يجب عليه بهذا الخاطر مع تمكنه من الإعراض عن إجالته بقلبه وتركه إيَّاها، فكذلك نقول: إنَّ النَّظر واجب عليه بالسمع، ولا يجب قبل مجيء الرسول (^٢).
_________________
(١) قوله: (فهذا الخاطر)، هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: (فهذه الخواطر)؛ ليتوافق عود الضمائر وينسجم سياق الكلام.
(٢) حكى الزركشي عن الكيا الهراسي في الحديث عن فائدة مسألة شكر المنعم، أن بعض المتكلمين قال: لا معنى للكلام في هذه المسألة …، وقد تعقبهم إلكيا بقوله: «وهو بعيد؛ فإنه يمكن تقدير المسألة فيمن خُلق في جزيرة، ولم يبلغ أهلها دعوة الملك، فهل يعلم أهلها إباحة هذه الأجناس أم لا؟ وإن حاول محاول ترتيب فائدة شرعية على هذه المسألة لم يعدمها. فإنَّ ما لم يوجد فيه حكم شرعي، كان على حكم العقول من الإباحة في رأي، أو على الحظر في رأي، وإن كان من العلماء من لا يجوز خلو واقعة عن حكم الله متلقى من الشرع كالصيرفي، وهو اختيار إمام الحرمين. وهو الحق عندنا. فعلى هذا الشافعي يبني على الإباحة تلقيا من الأئمة. وأبو حنيفة يبني على الحظر تلقيا من الشرع، فلا مخرج عن الشرع». «البحر المحيط» (١/ ١٦٠ - ١٦١).
[ ٩٠ ]