ومن هذا القبيل أيضا - ما يرجع الخلاف فيه إلى عبارة -: ما قاله أصحاب أبي حنيفة من الفرق بين الواجب والفرض (^٢)؛ فقالوا: «الفرض: ما ثبت بدليل مقطوع به، والواجب: ما ثبت بدليل مجتهد فيه».
واعلم بأنه لا بُدَّ أوَّلًا من أن نبيِّن معنى «الواجب» و«الفرض» في اللُّغة حتَّى نَبني عليه المقصود.
اعلم بأنَّ «الفرض» في اللغة: هو التَّقدير والتَّحديد؛ قال الله تعالى: ﴿سُورَةٌ
_________________
(١) = الكعبي يتجه على القول بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ولا طريق إلى الجمع بين ذلك المذهب وخلاف الكعبي. ونحن نقول: إنَّ الواجب ما تعلَّق به خطاب مقصود، والإباحة مقصودة في الإباحات، ولم يشرع للنهي عن المحظورات، وقول القائل: "لا تزن ولا تسرق" لم يطلق له الرواح والمجيء من غير خطور النهي عن السرقة. وليس الوجوب وصفا راجعا إلى العين حتى يقال: لا أثر لقصد المخاطب فيه، ولعل الكعبي يعتقد الوجوب وصفا راجعا إلى العين - كما قالوا في الحسن والقبح - أو يخالف في العبارة. قال: وبالجملة فالخلاف في هذه المسألة يرجع إلى عبارة؛ إذ لا تتعلق به فائدة شرعيَّةٌ ولا عقليَّةٌ. نعم، قد يتعلق به فوائد شرعيَّةٌ؛ فإنَّ النَّاوي للصوم لا يقصد الإمساك ليلا، ولا ينوي بصومه تقربا، وقد يقال ذلك؛ لأن الواجب منه مجهول لا يُدرى مقداره فيقال: المجهول كيف يكون واجبا ولا إمكان فيه؟ والمخالف فيه يقول: لا جرم هذا النوع وآخِرُ جزء من الرأس لا يتصفان بالوجوب؛ لأنَّ الواجب منهما لا يتبين، فلا يندرج تحت اختيار العبد فتبقى تسمية الواجب من هذه الجهة؛ وإلا فما علم الحكيم أنه لا يتأتى أداء الواجب إلا به يجعله واجبا. انتهى». «البحر المحيط» (١/ ٢٨٠ - ٢٨١). وانظر: (١/ ٢٧٩) من نفس الكتاب.
(٢) «التقريب» (١/ ٢٩٤)، «التلخيص» (١/ ١٦٤)، «الوصول» (١/ ٧٨).
(٣) نقل الزركشي عن الكيا قوله: «وهذه التفرقة عندهم بالنسبة إلينا؛ أما عند الله فهو سواء». انظر: «البحر المحيط» (١/ ١٨٣).
[ ٩٥ ]
أَنزَلْنَهَا وَفَرَضْنَهَا﴾ (^١)، وسميت الفرائض فرائض؛ لأنَّها مقدرة، ومنه فرض القاضي، ومنه فُرضة القوس.
وأما الواجب في اللُّغة: هو الثَّابت اللازم، ومنه يقال: «وجب الحائط»، إذا سقط، ووجبت الشمس، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (^٢)، يعني إذا سقطت، وقال النبي صلى الله عليه: «إذا وجب المريض فلا تبكين بائسا (^٣)» (^٤)، يعني [/] إذا فاضت نفس الميت، فلا تبكوا عليه (^٥).
مسألة (^٦)
ومن المسائل اللفظية: إطلاق الفقهاء وقولهم بأنَّ: «هذا فرض عين»، و«هذا فرض كفاية»، وهذا خلاف في اللفظ.
ويتبين ذلك بأن نذكر حد الواجب وحقيقته؛ وأسد العبارات فيه: «هو ما تُعرّض للعقاب بتركه»، وهذا موجود في فرض الكفاية؛ فإنَّهم إذا تركوه وعطلوه: حرجوا كلهم، فصار كما في فرض العين، فلا فرق بينهما على التحقيق.
_________________
(١) النور: ١.
(٢) الحج: ٣٦.
(٣) كذا في المخطوط، وفي المصادر الأصولية الأخرى: (باكية).
(٤) أخرج نحوه مالك في «الموطأ» (٩٣٥)، (برواية الزهري)، وأحمد (٢٣٧٥١)، وأبي داود (٣١١١)، والنسائي في «الكبرى» (٧٤٥٥)، وفي «المجتبى» (٣١٩٥)، وابن حبان (٣١٩٠) (بترتيب ابن بلبان)، وغيرهم من حديث جابر بن عتيك.
(٥) يظهر من سياق كلامه أن هنا سقطا، حيث لم يُكمل ما يتعلق بالجواب عن قول الحنفية في التفريق بين الفرض والواجب.
(٦) انظر: «الوصول» (١/ ٨٠).
[ ٩٦ ]
* فإن قال قائل: كيف تقولون إنَّه واجب على الجميع، ومعلوم أنه إذا قدم البعض على فعله وفعلوه، سقط عن الباقين؟
• قلنا: نحن لا نقول إنَّه سقط بفعل البعض، ولكن هذا واجب أوجبه الله تعالى لمقصود؛ فإذا فعل البعض، فقد حصل المقصود الذي لأجله وجب، فزال الحكم لزوال عِلَّتِهِ.