﷽
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. «الحمد لله الذي أكرمنا بتنزيله، وشرَّفنا بمعرفة تأويله، وشفى صدورنا بواضح بيانه، وهدانا من ظلم الضلالة، وعماية الجهالة به، وجعله ميزان قسط لا يحيف عن الحق غرب لسانه، وضوء هدى لا يجتنى من الشهاب نور برهانه، وعَلَمَ نجاة لا يضلُّ من أم قصد سُنَّتِه، ولا تنال أيدي الهلكات من تعلق بعروة عصمته.
نحمده على فنون بلائه، وضروب آلائه، ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من يعتصم بحبله، ويأوي في الشبهات إلى حرز عدله، ونشهد أنَّ محمدا عبده ورسوله، وصفيه ونبيه، أرسله ببيان أوضحه، ولسان أفصحه، وشرع شرحه، ودين فسحه، فلم يدع صلوات الله عليه فسادًا إلا أصلحه، ولا عنادًا إلا زحزحه، صلوات الله عليه ما هلَّل ملك وسبحه، وعلى من نصره وصحبه، وبَعْدُ» (^١):
فإن أشرف العلوم ما ارتبط بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ فهمًا واستنباطا، وحفظًا وصونًا، ولما كانت صنعة أصول الفقه لها حظ وافر من هذا الشرف؛ فقد حرصنا على نشر بعض كتبه المخطوطة مما لم ينشر، فوقع اختيارنا على هذا
_________________
(١) مقتبس من مقدمة إلكيا في «أحكام القرآن» (١/¬١).
[ ٧ ]
العلق النادر الذي يكشف لنا جانبًا من جوانب الحالة العلمية في القرن الخامس الهجري؛ حيث إنه أول كتاب يصدر مطبوعًا في التقييد الأصولي. فقد انتشرت في ذاك الزمن: «التعاليق» و«التقاييد» في عدد من الفنون، ومنها علم أصول الفقه، ولم يطبع - إلى الآن - حسب علمنا تعليق في الأصول العالم قبل كتابنا هذا. ولذا؛ فإنك ستجد في هذا الكتاب نموذجا من أساليب التعليم - من عالم بارع في البيان ممارس للتدريس - في تكرار بعض المعلومات وتيسيرها وبسطها والإكثار من الأمثلة بما يخالف ما استقر عليه الحال في علم الأصول في العصور المتأخرة من الإيجاز واستعمال بعض العبارات العويصة أو التعمية والإغراب في أسلوب النظم.
كما أنه يُبرز جانبًا من أثر مدرسة أبي المعالي الجويني الأصولية الذي لم يكن معروفا عند الباحثين؛ فإن مصنفات الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) مشهورة بين أهل العلم قديما وحديثا؛ وأما قرينه - علما وسنا - إلكيا الهراسي، فلم يُعرف في عصرنا إلا بواسطة بعض العلماء - كابن السبكي (ت ٧٧١ هـ) والزركشي (ت ٧٩٤ هـ) والسيوطي (ت ٩١١ هـ) - الذين وقفوا على كتبه ونقلوا منها.
فجاء هذا الكتاب حاويا لفرائد ونفائس، من استنباط لأصول العلماء وتخريج للفروع على الأصول، وبيان مآخذ بعض المسائل، وعناية بتحرير مذهب الشافعي، مع تطبيق للجدل الأصولي الرفيع في مسائل متعددة. ولم يخل مع ذلك من نقولات عن بعض أعلام الأصول استفادة أو تعقبًا.
ونظرًا لوجود الاختلاف بين إبرازات التعاليق، حرصنا على مقارنة ما وُجد في هذه التعليقة بما نقله الأصوليون عن إلكيا، وجعلناها في الهامش، سواء جاء
[ ٨ ]
النص متطابقا أو مع زيادة لم تكن في تعليقتنا؛ وذلك إكمالا للفائدة، وتيسيرا على القارئ بجمع ما تفرق من آراء الإمام الكيا في مكان واحد. ولم يعكر صفو كتابنا إلا أمران:
أحدهما: أننا لم نجده تاما، فهذه القطعة تمثل النصف من حيث الموضوعات تقريبا، ولذا اجتهدنا في وضع ملحق نجمع فيه ما نُقل عن إلكيا من مسائل تسد جزءًا من هذا النقص.
والثاني: أنَّ المعلق لم يدوّن كل ما دار في الدرس، بل انتخب، واختصر أحيانا، وفاته أشياء، وليته كان من الموفقين في تقييد الدروس - حسب تعبير الإمام الكيا ـ، حيث يقول: «… المجلس الواحد قد يكون فيه من يُصغي إلى الكلام، ثُمَّ يختلفون في الإصغاء والاستماع، فيكون بعضُهم أحسن استماعا وتلقفا من بعض. وقد يظهر ذلك في الدروس والروايات، فيجوز أن يوفّق بعضهم أو واحد منهم لحسن التلقف، واستياق القصة من أولها إلى آخرها».
ومع كوننا لم نعرف هذا المعلّق إلا أنه وصل إلينا ما كتبه - على ما فيه - وفقد كثيرٌ من تعليقات المبرزين من أقرانه، فنسأل الله تعالى له الرحمة والمغفرة، وأن يجعل ذلك في ميزان أعماله الصالحة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
[ ٩ ]