فهو أنا نقول: إذا قلتم «إنَّ الحَسَن إنَّما كان حسنًا بصفة نفسه، ولما هو عليه من ذاته»، فلا يجوز أن يتغيَّر ويتبدل عن صفة نفسه، ويصير القبيح حسنًا والحسن قبيحا.
* قالوا: كذا نقول، لا يجوز أن ينقلب ويتبدل صفة نفسه ما دامت النفس باقيةً.
• قلنا: فإذا كان الأمر بهذه الصفة، فيلزم من مساق هذا الكلام ألا يجوز أن يوجد صدق إلا وهو حسن، ولا كذب إلا وهو قبيح.
* قالوا: كذلك نقول؛ لا يجوز أن يكون صدق قبيح، ولا كذب حسن.
• قلنا: فنحن نريكم [فساد] ذلك:
بيانه (^١): وهو أنَّ بعض الظَّلمة لو أنه طلب قتل نبيٍّ، فهرب النَّبيُّ من بين يديه، وهو يقتص أثره، ويطلب حتفه شاهرًا سيفه ليقتله، فانتهى [٧٦/ و] النَّبيُّ إلى طريق ضيّق - هو مفرق طرق كثيرة - فدخل في بعض تلك المنافذ والعواطف فابتنى فيه، فصادف الظَّالم رجلًا على مفرق الطريق فسأله: أين النَّبيُّ؟ وأين استقر؟ (^٢) أتقولون: إنَّه يصدق هذا الرجل أو يكذب؟
_________________
(١) قارن مع: «المنخول» (ص ١١).
(٢) رسمها في المخطوط مشتبه، ويحتمل أن تقرأ: (اختفى).
[ ٨٣ ]
* إن قلتم يصدق، فمعاذ الله من هذا الكلام؛ لأن فيه فسادين: قتل لنبي معصوم، وإبطال شريعة (^١)، فكيف يقال: إنَّه يصدق مع ما فيه من الانطواء على هذه المفاسد.
* وإن قلتم يكذب، فقد صار الكذب حسنًا في بعض الأحوال (^٢)؟!
* فإن قالوا: نقول: إنَّه يصدق، والصدق على حالته هذه حسن، والكذب قبيح.
* قلنا: أجمع الناس على أنَّ الصدق في هذه الحال قبيح، وأنَّ الكذب حسن، وكذلك لا قبيح في عالم (^٣) الله تعالى أعظم من القول بأنَّ الله ثالث ثلاثة، وأن محمدًا ساحر، ثُمَّ قد أباح الشَّرع هذا القول والتلفظ به في حال الضرورة حتَّى إِنَّ مِنْ العلماء من قال: يجب ذلك؛ فدلَّ أنَّه ليس قبيحًا لنفسه؛ إذ لو كان قبيحًا لعينه، لما تغيرت صفة نفسه.
* فإن قالوا: إِنَّما حَسُن في هذه المواضع؛ لأنَّه اقترنت به أمور حسنةٌ غطت على قبحه، فصار مغمورًا بما اقترن به من الحسن، كالصغائر في جنب الطاعات.
• قلنا: هذا غير صحيح؛ لأنه لو كان مُبقى على ما كان من صفة النفس إلَّا أنه تغطى بأمورٍ، لَبَقِيَ على ما كان عليه من قبل اقتران الأمور به، ونحن نعلم أنه لم يبق على ما كان، بل قد زال حكم صفة النفس حتى لا يحسن الدم واللوم عليه.
_________________
(١) قوله: (لأن فيه فسادين: قتل لنبي معصوم، وإبطال شريعة) في المخطوط: (لأن فيه قتل لنبي معصوم وفسادان وإبطال شريعة)، ولعل الصواب ما أثبت.
(٢) في المخطوط: (الأقوال)، ولعل الصواب ما أثبت.
(٣) كذا في المخطوط، ولها وجه، ويحتمل أنها مصحفة من: (علم).
[ ٨٤ ]