ذكر في ترجمة إلكيا أن له مصنفات كثيرة، إلا أنه لم يصل إلينا منها - مما استطعنا الاطلاع عليه - إلا ثلاثة كتب، ولم ينشر منها حتى كتابة هذه المقدمة إلا «أحكام القرآن».
وكتب التراجم لم تسرد لنا عناوينها بشكل واضح، ولقد اجتهدنا في جمع هذه الكتب ووصف محتواها قدر الوسع، وحاولنا تحرير عناوينها بما تيسر لنا من معلومات.
١ - «أحكام القرآن» (^٣)، مطبوع بهذا العنوان. أغلب المصادر لم تذكره في
_________________
(١) في بعض المصادر: (بحسام).
(٢) «تاريخ دمشق» (٧/ ٥٢). وقارن مع: «معجم السفر» (ص ٤٥٤).
(٣) «اللمع الألمعية» (١/ ٤١١)، «العقد المذهب» (ص ١١٥)، «كشف الظنون» (١/¬٢٠).
[ ٢٧ ]
ترجمته؛ وأول من وجدنا ينسبه إليه بهذا العنوان هو قطب الدين الخيضري (٨٩٤ هـ)؛ وعند ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) جاء تسميته بـ: «الأحكام»، ولعله من باب الاختصار في التسمية. والكتاب اشتهر بهذه التسمية عند المتأخرين، وطبع بهذا العنوان، ويؤيد هذه التسمية ما ذكره إلكيا في مقدمة كتابه قائلا: «أردت أن أصنف في أحكام القرآن كتابا …».
إلا أن عنوان الكتاب في نسخة خطية: «شفاء الغليل في غوامض التنزيل» (^١). وجاء في المقدمة: «أردت أن أصنّف في أحكام القرآن كتابا أشرح فيه ما انتزعه الشافعي ﵁ من أخذ الدلائل في غوامض المسائل … حرَّرتُ في شرحها: هذه الفصول المتضمنة من اللفظ والمعنى، شفاء كل عليل مع انتخابي فيها قصد السبيل» (^٢). ومن خلال هذا النص نجد إلكيا أشار إلى هذا العنوان، وهذه التسمية أقرب لبيان محتواه، ويناسب طريقة إلكيا في تسمية كتبه.
ثم إننا بالنظر في محتوى الكتاب وجدنا أن إلكيا اعتنى باستنباط مسائل أصولية وفقهية وعقدية ولغوية، ولم يقتصر على الأحكام الفقهية، ومع ذلك لا يمكن الجزم بعنوان الكتاب الذي وضعه مصنفه، وإن كان كلاهما صادقا في الدلالة على مضمونه.
وأول من نقل عنه - فيما وقفنا عليه - هو ابن السبكي (^٣)، ثم الزركشي (^٤)،
_________________
(١) وقد ذكر إسماعيل باشا في «إيضاح المكنون» (٢/ ٥١) هذا الكتاب ونسبه للطبري، والمقصود إلكيا الطبري الهراسي.
(٢) (١/¬٢، ٣).
(٣) انظر: الأشباه والنظائر (٢/ ١٢٦). والنقل في «أحكام القرآن» (٢/ ٤٢٤)
(٤) «المنثور في القواعد» (٢/ ١٦٤)، «تشنيف المسامع» (١/ ٦٤٣)، «البحر المحيط» (٣/ ٤٥٧)، =
[ ٢٨ ]
وهذه النقول موجودة في المطبوع من «أحكام القرآن».
كما قد أشار إلكيا في هذا الكتاب إلى تصانيفه في الأصول والخلاف دون تسميتها، مما يدل على تأخر «أحكام القرآن» في التأليف عنها.
ومن مقاصد الكيا في هذا الكتاب: الرد على أبي بكر الجصاص (ت ٣٧٠ هـ) في كتابه: «أحكام القرآن» انتصارًا للإمام الشافعي، كما ألمح إليه في مقدمته، وصرح به في ثنايا كتابه؛ كما أنه يرد على القاضي إسماعيل المالكي (ت ٢٨٢ هـ) في عدد من المواضع فيما يتعلق بالنقل عن الإمام الشافعي.
٢ - «تعليق في الكلام»، ويسمى أيضًا: «التعليقة الكلامية» أو «كتاب في أصول الدين» (^١). ذكر الرازي في «الرِّياض المونقة» (^٢) في باب «شرح أقوال أهل السنة والجماعة» ضمن مصنفات وأعلام الأشاعرة ما نصه: «… والإمام شمس الإسلام أبو الحسن الهراس، وله تعليقة في الكلام، لو قلت إنها أحسن ما صنف في مذهبنا لصدقت». وقد نقل عنها أبو العباس ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) في «درء التعارض» (^٣)، في موضعين وصفه بأنه في الكلام، وبالمقارنة بين نقوله والمخطوطة التي بين أيدينا من التعليقة وقفنا على وجودها فيها بألفاظها (^٤).
ومن الأهمية بمكان أن نذكر هنا أن ابن تيمية قال في موضعين: «وممن ذكر ذلك: أبو الحسن الطبري المعروف بـ: إلكيا في كتابه في الكلام أو بعض
_________________
(١) = والنقل بمعناه: في «أحكام القرآن» (١/¬٤٢)، (٤/ ٢٥٩).
(٢) مخطوط في دار الكتب المصرية كلام/ ٢٩٠، ناقص.
(٣) (ص ١٨٣).
(٤) (٣/ ١٠٨ - ١٠٩)، (٧/ ٣٥٧)، (٨/ ٩٤).
(٥) انظر: التعليقة الكلامية (ق/ ١٢/ ظ - ١٣/ ظ)
[ ٢٩ ]
نظرائه …»، و«ذكره بعض فضلاء المتكلمين من أصحاب أبي المعالي، أظنه أبا الحسن الطبري المعروف بـ: إلكيا، أو بعض نظرائه …»، إشارة إلى عدم جزمه بالنسبة إليه، وفي المخطوط الذي بين أيدينا هو منسوب إلى إلكيا، والله أعلم.
٣ - «التعليقة - أو: التعليق - في الأصول» (^١). وسيأتي الكلام عليه مفصلا.
٤ - «تلويح مدارك الأحكام» (^٢)، وقد أحال عليه الزركشي في كتبه في أكثر من موضع (^٣)، فتارة يذكره بعنوانه كاملا، وتارة يختصره بالتلويح، وتارة بالمدارك، وتارة بمدارك الأحكام.
٥ - «الجدل». ذكره ابن تيمية في «المسودة» (^٤).
_________________
(١) انظر: «سلاسل الذهب» (ص ٩٩)، «البحر المحيط» (٢/ ٢٥٩)، «البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر» (٢/ ٧٩٤)، مسالك الحنفا (ضمن الحاوي للفتاوى) (٢/ ٣٥٩)، «كشف الظنون» (١/ ٤٢٣). ذكر ابن السبكي في «الطبقات الكبرى» من تصانيفه: «كتاب في أصول الفقه». لكن جاء في «الوسطى» له و«اللمع الألمعية»: «كتابان»، وفي الطبقات الصغرى لابن السبكي و«شذرات الذهب»: «كتب». ومما يؤيد أنها ثلاثة فأكثر ما ذكره إلكيا نفسه في كتابه «أحكام القرآن» بعد تقرير صحة الإجماع، قال ما نصه (٢/ ٤٩٩): «فدل على صحة إجماع الأمة؛ على ما قررناه في تصانيفنا في الأصول، وبينا ما يرد عليه من الاعتراض ومنع الاحتجاج»، والذي يمكن أن نقوله هنا أن لإلكيا أكثر من كتاب في أصول الفقه.
(٢) انظر: «النكت على ابن الصلاح» للزركشي (٢/ ٢٨٨)، «البحر الذي ذخر في شرح ألفية الأثر» (١/ ٣٥٥).
(٣) انظر مثلا: «البحر المحيط» (١/ ٤٧٥)، (٣/¬٢٧، ٣٧، ٥٢، ١١٦، ١٣٠ - ١٣١، ١٧٧، ٣١٥، ٣٧٨)، (٤/¬٢٥، ٢٩٤)، «النكت على ابن الصلاح» (٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، «سلاسل الذهب» (ص ٤٣٢).
(٤) (٢/ ٩٧١).
[ ٣٠ ]
٦ - «شفاء المسترشدين في مباحث المجتهدين» (^١). قال عنه ابن السبكي: «وهو من أجود كتب الخلافيات»، ونقل عنه فوائد في «طبقاته الكبرى». ونقل ابن إمام الكاملية (ت ٨٦٤ هـ) قولًا لإلكيا الهراسي وعزاه لكتابه «تعليق في الخلاف» (^٢)، والنَّص موجود في «البحر المحيط» منسوبًا إليه دون ذكر الكتاب (^٣)؛ فهل كتاب «شفاء المسترشدين» هو نفس «تعليقة في الخلافيات»؟ نحن وإن كنا نميل إلى ذلك إلا أننا لا نستطيع أن نجزم بشيء (^٤)، والله أعلم.
٧ - «الكتاب المصنف في الروايات»، أحال عليه في «أحكام القرآن» أثناء كلامه على مسألة الإيتاء (^٥). والكتاب لم يتبين لنا موضوعه بدقة؛ فقد يكون في الروايات الحديثية، وقد يكون في الروايات عن الإمام الشافعي أو المذهب (^٦)، حيث إن سياق كلامه أثناء إحالته على الكتاب كانت في مسألة فقهية، حرّر فيها قول الشافعي (^٧).
٨ - «لوامع الدلائل في زوايا المسائل». أحال عليه مختصرًا عنوانه بـ:
_________________
(١) «كشف الظنون» (٢/ ١٠٥٦).
(٢) «مختصر تيسير الوصول» (٢/ ٩٩٣). وانظر أيضا: «أحكام القرآن» (٢/ ٤٧٩)، «البحر المحيط» (٢/ ٢٠٥).
(٣) «البحر المحيط» (٤/ ١٠٥)، «المنثور في القواعد» (١/ ١٦٠).
(٤) وقد أطلق بعضهم - كصاحب: «اللمع الألمعية» - أنَّ له تعليقًا، وهو وإن كان يحتمل أن يكون تعليقته في الأصول أو الكلام أو الخلاف؛ إلا أنَّ المشهور هو إطلاقها في الخلافيات. انظر: «الإبرازات المتعددة للكتاب» (ص ٣٣٠).
(٥) (٤/ ٣١٨).
(٦) قارن بـ: «أحكام القرآن» (٣/ ٥٣).
(٧) وعلى الاحتمال الثاني؛ فهل له علاقة بكتاب: «نصرة القولين» (انظر: ص ٣٣) أو هو غيره؟ يحتمل الأمرين.
[ ٣١ ]
«الزوايا» في كتابه «أحكام القرآن» (^١)، ونسبه إليه كذلك ابن الصلاح (ت ٦٤٣) في موضعين من كتابين له؛ أما الموضع الأول، فهو في «شرح مشكل الوسيط» (^٢)، وأما الموضع الثاني، فهو ما نقله كمال الدين الدميري (ت ٨٠٨ هـ) في كتابه «حياة الحيوان الكبرى» (^٣) عن ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) في «رحلته». ونسبه إليه كذلك النووي (ت ٦٧٦ هـ) (^٤)؛ وكلها في مسائل فقهية؛ وعلى هذا؛ فنستطيع أن نقول إن محتوى الكتاب في المسائل الفقهية، وعنوانه يوحي بأنه في المسائل غير المشهورة التي ليست في مظنتها. ولكن يعكر على ذلك أن إلكيا لما نقل عنه مسألة في كتاب «أحكام القرآن» تتعلق بالفرق بين حجب النقصان وحجب الحرمان، قال بعد ذلك ما نصه: «وذكرنا فرقة بين الحجبين في مسائل الزوايا» (^٥)، وهو فرق حسن … وذكرنا فرقة بينهما، فيفهم من خلال هذا النص أن محتواه في ذكر الفروق الفقهية، فالكتاب في الفقه، لكن تفاصيل محتواه غير معلومة لدينا، والله أعلم.
٩ - «مسائل الدور»، وقد صنف في ذلك عدد من العلماء، كالغزالي وابن السبكي (^٦). وقد ذكر جمال الدين الإسنوي (٧٧٢ هـ) تصنيفا في ذلك لإلكيا، فقال أثناء الحديث على مسألة من مسائل الطلاق في شرح كلام النووي: «إذا قال لامرأته: إذا طلقتك - أو مهما أو متى ـ، فأنت طالق قبله ثلاثا، ثم طلقها،
_________________
(١) (٢/ ٣٥٢).
(٢) «شرح مشكل الوسيط» (١/ ١٢٤).
(٣) (٢/ ١٥٦٩).
(٤) «المجموع شرح المذهب» (١/ ٢٥٩).
(٥) وقع في المطبوع من «أحكام القرآن»: الروايا، وهو تصحيف.
(٦) انظر: «كشف الظنون» (٢/ ١٣٥٣، ١١٩٢، ١٩٨٨).
[ ٣٢ ]
ففيه ثلاثة أوجه …»، نقلا عن إمام الحرمين: «ذهب معظم الأصحاب إلى أنه لا يقع شيء بالكلية، وكذلك إلكيا الهراسي، وصنَّف في ذلك تصنيفا إلا أنه صحَّح فيه وقوع المنجَّز وطلقتين من المعلَّق» (^١). ولا نعلم إن كان المؤلِّف قد وضع له عنوانا خاصا.
١٠ - «مطالع الأحكام»، ذكره البدر الزركشي ونقل منه في موضع واحد قائلا: «قال إلكيا الهراسي في مطالع الأحكام …» (^٢)، لكن ورد نفس النقل في «شرح مختصر الروضة» للطوفي (٧١٦ هـ) منسوبًا إلى الكناني في «مطالع الأحكام» (^٣)، وفي موضع آخر نقل منه الطوفي وسماه: «مطالع الشريعة» منسوبا إلى الكناني كذلك (^٤)، فالذي يظهر أن الاسم في كلا الموضعين تحرف من «إلكيا» (^٥) إلى «الكناني»؛ لأن رسمهما متقارب؛ ولأن الزركشي قد نقل منه الموضع الأول منسوبا إلى إلكيا الهراسي صريحًا، ثم إنه لا يُدرى من هذا الكناني (^٦)، والله أعلم.
١١ - نصرة القولين. والمقصود أن يكون العالم له قولان مختلفان في مسألة واحدة، وهو مشهور عن الإمام الشافعي، ولذلك أفرد فيه عدد من علماء
_________________
(١) انظر: «المهمات في شرح الروضة والرافعي» (٧/ ٤٠٣).
(٢) انظر: «البحر المحيط» (١/ ٤١٤).
(٣) (٢/ ٢٠٥) تحقيق آل إبراهيم، (١/ ٢٠٨) تحقيق التركي.
(٤) (٢/ ٢٢٧) تحقيق آل إبراهيم، (١/ ٢٢٧) تحقيق التركي.
(٥) وقد نبه الدكتور إبراهيم آل إبراهيم محقق «شرح مختصر الروضة» أن في إحدى النسخ وردت «الكتاني» بدل الكناني.
(٦) ثم رأينا بعد ذلك أن الدكتور محمد بن طارق الفوزان قد أشار إلى ذلك في كتابه: «الإخلال بالنقل» (١/ ١٤٩)، ونبه على هذا الخطأ، فحمدنا الله تعالى على هذا التوارد والاتفاق في الوصول إلى نفس النتيجة البحثية.
[ ٣٣ ]
الشافعية، طبع منها: «نصرة القولين» لابن القاص (ت ٣٣٥ هـ)، و«حقيقة القولين» للغزالي. وقد ذكره الزركشي أثناء الحديث عن المسألة ذاتها، فقال ما نصه: «وقد صنف أصحابنا في نصرة القولين، منهم ابن القاص والغزالي والكيا والروياني» (^١). فنحن لا نعرف اسم الكتاب إن كان المؤلف وضع له عنوانا خاصا (^٢).
١٢ - «نقض - أو: نقد - مفردات الإمام أحمد» (^٣)، ويسمى أيضا: «الرد على مفردات الحنابلة»، وفي بعض المصادر (^٤): «الرد على الإمام أحمد». ذكر ابن كثير أنه في مجلد، وهو في الرد على ما انفرد به الإمام أحمد عن الإمامين أبي حنيفة والشافعي، - وإن كان قول الإمام مالك موافقا لقول الإمام أحمد أو قريبا منه (^٥). نقل الزركشي منه نصين يبينان بعض محتواه وطريقته، فقال في الموضع الأول: «قال إلكيا الهراسي في كتاب «نقد مفردات أحمد»: «منع أحمد الفرض في الكعبة، وجوز النفل، ولا شك أن عموم قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يتناول المصلي إليها وفيها، وصح أنه دخل البيت وصلى فيه. وهم يحملونه على النافلة، والحكاية حكاية حال. ونذرت عائشة ﵂ أَنَّ تصلي في البيت، فقال ﷺ: "صلي في الحجر؛ فإنه من البيت" ومعلوم أن النذر مفروض. ولعل أحمد يجوز ذلك. وإنما منع الفرض المطلق. انتهى» (^٦).
_________________
(١) «البحر المحيط» (٦/ ١٢٤).
(٢) وللاستزادة حول نسبة الكتاب ينظر: «الإخلال بالنقل» (٢/ ٧٦٤ - ٧٦٥).
(٣) «اللمع الالمعية» (١/ ٤١١)، «النكت على ابن الصلاح» (٢/ ٤٥٠)، «إعلام الساجد» (ص ١٠١)
(٤) «العقد المذهب» (ص ١١٥).
(٥) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
(٦) «إعلام الساجد» (ص ١٠١). وقد يستفاد من هذا النقل أيضًا أن الزركشي وقف على الكتاب=
[ ٣٤ ]
وقال الزركشي في مسألة الشيخ إذا لم يتذكر ما رواه: هل له أن يتبع روايته ويرويه: «قال إلكيا الطبري في كتاب "نقض مفردات أحمد": هذا موضع نظر، يحتمل أن يقال: تتبع روايته تشوفًا إلى العمل بالحديث، ويحتمل خلافه» (^١). وسبب الحديث عن مثل هذا الموضوع - وهو موضوع مفردات الحنابلة عن المذهب الشافعي خصوصا - والتأليف فيه: هو ما أثاره بعض علماء الشافعية من القول بأنَّ ما بين الإمامين - الشافعي وأحمد - -رحمهما الله- من الاختلاف يسير في الفروع، وأنه ينبني على ذلك الاستغناء عن مذهب الإمام أحمد اكتفاء بمذهب الإمام الشافعي. ولم يتبين لنا من أول من أثار هذه القضية؛ إلا أننا نجزم بأن إلكيا الهراسي كان ممن انتصر لمذهبه، وألف كتابه المذكور، فجاءت كتب الحنابلة للرد عليه بعينه (^٢)، ولذا قال ناظم «المفردات» محمد بن علي العمري (ت ٨٢٠ هـ) (^٣):
واعلم بأن أصحابنا قد صنفوا … في «المفردات» جُملا وألفوا
لكنهم لم يقصدوا هذا النمط … بل قصدوا الرد على الكيا فقط
ولم نقف على الكتاب لنحكم عليه أو نتبين تفاصيل محتواه بدقة، لكن قال عنه الذهبي الشافعي: «وصنف كتابا في الرد على مفردات الإمام أحمد، فلم يُنصف فيه، ولعل هذا ما دفع عددا من علماء الحنابلة إلى تصنيفهم ردا على
_________________
(١) = وهو مصري عاش في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري، فالكتاب انتقل من بغداد، ولم يكن ضمن ما فقد أو نهب أيام المغول.
(٢) «البحر المحيط» (٤/ ٤٢٥).
(٣) ويؤكد ذلك تصريح عناوين بعض الكتب المؤلفة في ذلك، ككتابي ابن قاضي الجبل (ت ٧٧١ هـ)، وابن عبد الهادي (ت ٧٤٤ هـ): «الرد على إلكيا الهراسي».
(٤) انظر: «المنح الشافيات» (١/ ١٢٣). وللأبيات تتمة، يمكن مراجعتها في المصدر.
[ ٣٥ ]
إلكيا وبيان أصل القضية (^١).
تنبيه: نقل الزركشي في مسألة تفاوت العلوم قول الكيا الهراسي بعدم تفاوتها، ثم قال: «واختاره الكيا الطبري في «كتاب الترجيح»، فلا نعلم هل قصد به كتاب الترجيح ضمن أحد كتبه الأصولية - وهذا الذي نميل إليه ــ أم أنه كتاب مستقل بهذا الاسم؟
_________________
(١) ينظر: «كتاب فيما انفرد به الإمام أحمد عن الشافعي» (ص ٢٣)، «الفواكه العديدة» (١/ ٥٢)، «المدخل المفصل» (٢/ ٩٠٨). وهنا إشارة: وهي أنه في القرنين الرابع والخامس الهجريين ظهرت كتب في الانتصار للمذاهب وتفضيلها، وبالغ بعض العلماء إثارة المسألة ضمن كتبهم الأصولية، وذلك ببيان فضل إمامهم ومذهبهم، وزاد في ذلك إلى أن استنقص من قدر الأئمة والمذاهب الأخرى أحيانا. ونظرًا لأنَّ إلكيا الهراسي هو ابن بيئته؛ فقد شارك في هذا الأمر، ومثله قرينه الغزالي - خصوصًا في خاتمة المنخول -؛ فقد زاد الكيل في استنقاص أحد المذاهب. ولعلهما في ذلك تأثرا أيضا بشيخهما إمام الحرمين، حيث إنّه قد تناول هذه القضية في البرهان وغيره من مصنفاته.
[ ٣٦ ]