وأما ما يتعلق بتعليقة إلكيا، فقد جاء في ترجمته أنه عُلّق عنه في أصول الفقه، وقد نقل عنها: ابن الصلاح وابن السبكي والزركشي، والسيوطي وغيرهم، وهي منثورة في كتبهم في مواضع متفرقة، فتارة يسمونها: بـ «التعليقة في أصول الفقه»، وتارة بـ: «التعليق في الأصول»، وتارة بـ: «تعليق». وله كذلك «تعليق في الكلام»، لكن عند الإطلاق في كتب الأصول يكون المقصود هو التعليقة الأصولية.
وأما النسخة التي بين أيدينا؛ فالذي يظهر بعد تحقيقها ودراستها أنها تعليقة مختصرة في الجملة، متباينة في المباحث والفصول بالطول والقصر، يوجد فيها بعض الخروم والسقط، وبالمقارنة مع ما نقله الزركشي والسيوطي وغيرهما - كما أثبتناه في الهوامش والملحق - تبين أن هناك مباحث نقلوها غير موجودة في تعليقتنا مع وجود المسألة عندنا، أو توسعهم فيها مع اختصارها عندنا. وذلك
[ ٣٨ ]
لأن نسخ التعاليق تتباين لعدة اعتبارات، فمنها: نشاط المعلق وضعفه، ومنها: وجود أكثر من تعليقة للشيخ على مدى سنين من التدريس.
ولا ندري متى وأين عُلِّقَ عنه هذا الكتاب، فمن المحتمل أن يكون زمن تدريسه في بيهق، ويحتمل أن يكون بعد ذلك في المدرسة النظامية، إلا أنها ليست نسخة مشهورة، كالتي ينقل عنها الزركشي.
ولم نعرف كذلك من هو المعلّق لعدم وجود نسخة كاملة لدينا، إلا أننا نستطيع الوصف بإجمال: أنه من متوسط المعلقين، وليس من المتميزين.
القطعة التي بين أيدينا وجدت ضمن مجموع - على ما سيأتي في وصف النسخة الخطية ـ، ولم يصلنا غلاف المجموع، وسقطت الورقة الأولى (^١) من الكتاب الذي هو محل التحقيق، وآخره مبتور، لكن أمكننا تعيين الكتاب ومؤلفه ولله الحمد ـ، ويدل على ذلك أمور:
١ - أنَّ الكتاب في أصول الفقه، ومؤلفه شافعي المذهب في الفروع، وهذا الأمر ظاهر جدًّا في عرضه للمسائل، وكلامه فيها.
٢ - أنَّ الكتاب من كتب التعاليق؛ ويدل على ذلك قول المعلّق في عدة مواطن: «قال الشيخ» (^٢) أو (قال) (^٣). ويظهر للناظر في هذه التعليقة تصرُّف المعلق بالاختصار؛ وذلك أنَّ بعض المواطن مشعرة بأنَّ الكلام والبحث ممتد له تكملة؛
_________________
(١) انظر: (ص ٦٥) من هذا الكتاب.
(٢) انظر: (ص ٧٠، ١٦٦).
(٣) انظر: (ص ١٠٢).
[ ٣٩ ]
إلَّا أنَّ التعليقة قصرت وعريت عنه، كما نبهنا عليها في مواضعها. كذلك أحال المؤلف على كلام متقدّم لم نجد له أثرًا (^١)؛ وأيضا نجد أن مبحث العموم والخصوص مبحث طويل جدا بالنسبة لبقية المباحث، وكأن المعلق استوفاه أو قارب من استيفاءه بخلاف بقية الأبواب.
٣ - تميز الكتاب في كثير من المواطن بفوائد خلت عنها المصنفات الأصولية، مع طريقة عرض مغايرة لأسلوب التصنيف الأصولي، مما يُشعر المطالع لبعض المواطن بأن الكتاب تدوين لدرس، وليس تصنيفا.
٤ - كثرة التصحيف الواقع في المخطوط، فربما كان التصحيف من الأصل المنقول عنه، وهو تصحيف سماع، أو تصحيف بسبب سرعة الكتابة.
٥ - أنَّ الناسخ فرغ من نسخ المجموع سنة ٥٠٧ هـ، وذلك بعد وفاة الإمام إلكيا بثلاث سنوات فقط، ثم إن جميع من ذكر في هذه القطعة من الأعلام، لا يتعدون القرن الخامس، كالقاضي الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ)، والقاضي عبد الجبار (ت ٤١٥ هـ)، وأبي زيد الدبوسي (٤٣٠ هـ)، وأبي الحسين البصري (ت ٤٣٦ هـ)، وأبي المعالي الجويني (ت ٤٧٨ هـ)، وهو آخر من مات منهم.
فانحصر البحث عن المؤلف في نطاق ضيق جدا؛ فالمؤلف شافعي أصولي له «تعليقة» في أصول الفقه، وهو من أهل الربع الأخير من القرن الخامس وأول السادس، وهذا الوصف منطبق على: إلكيا الهراسي (ت ٥٠٤)، فإنَّ له تعليقةً في أصول الفقه، كما سبق بيانه في مؤلفاته.
_________________
(١) انظر: (ص ١٥٧).
[ ٤٠ ]
ثُمَّ إنَّ مما يؤكد نسبة هذه التعليقة إلى إلكيا الهراسي: النُّصوص والآراء المنقولة من هذه التعليقة، ويمكن تقسيمها إلى قسمين:
القسم الأول: النصوص المنقولة باللفظ أو بالمعنى، وهي كما يلي:
١ - قال السيوطي (ت ٩١١ هـ): «قال إلكيا الهراسي في تعليقه في الأصول: اعلم أن الذي استقر عليه آراء أهل السنة قاطبةً أنه لا مدرك للأحكام سوى الشرع المنقول، ولا يتلقى حكم من قضيات العقول. فأما من عدا أهل الحق من طبقات الخلق - كالرافضة، والكرامية، والمعتزلة، وغيرهم ـ؛ فإنهم ذهبوا إلى أن الأحكام منقسمة، فمنها: ما يتلقى من الشرع المنقول، ومنها: ما يتلقى من قضيات العقول» (^١)، وهذا النص بعينه موجود في التعليقة التي بين أيدينا (^٢).
٢ - وقال السيوطي أيضًا: «قال إلكيا الهراسي في تعليقه الذي استقر عليه آراء المحققين من الأصوليين: أن اللغة لا تثبت قياسا، ولا يجري القياس فيها. وقال كثير من الفقهاء: القياس يجري في اللغة وعزي هذا إلى الشافعي ﵁ ولم يدل عليه نصه، إنما دلت عليه مسائله …» (^٣). وهذا النص كذلك موجود في كتابنا (^٤).
٣ - قال الزركشي في مسألة: «تردُّد الشيخ في رواية الحديث» (^٥): «واعلم أن الخلاف هكذا ليس منصوصًا عن الشافعي وأبي حنيفة؛ هكذا قال إلكيا
_________________
(١) انظر: «مسلك الحنفا ضمن الحاوي للفتاوى» (٢/ ٢٤٨).
(٢) انظر: (ص ٧٣).
(٣) «المزهر في علوم اللغة» (١/¬٤٩).
(٤) انظر: (ص ١٠٣).
(٥) «سلاسل الذهب» (٣٢٣ - ٣٢٤).
[ ٤١ ]
الهراسي في تعليقه، قال: وإنما نشأ هذا الخلاف من مسألة، وهو: حديث النكاح بلا وليّ، الذي روته عائشة؛ فرده الحنفية، وقالوا: تردد الشيخ يوجب ريبة، وأصحابنا قالوا: هذا الحديث قد روي من طريق آخر غير طريق الزهري؛ فاعتقد معتقد أن عندهم لا يؤثر تردد الشيخ … . فقد جاء هذا النص عندنا على النحو التالي: «قال أصحابُ الشَّافعيّ: إِنَّ تردُّد الشيخ في الحديث الذي يروى عنه عند الرجوع إليه لا يقدح فيه؛ وقال أصحاب أبي حنيفة: إن تردُّده قادح فيه. وليس عن أبي حنيفة والشافعي في هذه المسألة نص على ما نقله أتباعهما، وإنَّما أُخذ ذلك من مسألة النكاح بغير ولي …».
٤ - وقال الزركشي في مسألة: «المكره هل يصح تكليفه؟» ما نصه: «وما نقلوه عن المعتزلة قد نازع فيه جماعة منهم إلكيا الطبري، فقال: نُقل عن بعض المعتزلة أن الإكراه ينافي التكليف. قال: وليس هذا مذهبا لأحد، وإنما مذهبهم أن الإلجاء الذي ينافي اختيار العبد ينافي التكليف كالإيمان حالة اليأس» (^١)، وهو في التعليقة التي بين أيدينا بلفظ: «ونقل عن المعتزلة أنَّ المكره غير مكلَّفٍ. وهذا النقل غلط، وذلك من وجهين: أحدهما: أنَّ المسطور عنهم أنَّ الملجأ ليس بمكلَّف - وهو المضطر المضطهد الذي لا قدرة له ولا اختيار ـ؛ فاعتقد الفقهاء بأنَّ المكره أيضا غير مكلَّف وهو في معنى الملجأ، وليس الملجأ والمكره سِيَّانِ. الوجه الثاني: أنَّ القدرة إذا لم تكن صالحة للضّدَّين، بطلت المحنة واستحقاق الثواب والعقاب …».
والملاحظ على هذا القسم أن هناك تطابقا بين ما في أيدينا من القطعة
_________________
(١) «البحر المحيط» (١/ ٣٥٩).
[ ٤٢ ]
والمصدر الناقل؛ إلا نقص في آخرها يظهر أنه من المعلق أو الناسخ.
القسم الثاني: الآراء المنسوبة إلى الكيا، وهي موجودة في القطعة التي بين أيدينا، فمن ذلك:
١ - قال الزركشي في «النكت على ابن الصلاح» في تعريف الحديث المنقطع (^١): «وفات المصنّف من الأقوال: أنَّ المرسل: قول الراوي: حدثني فلان عن رجل فيرسل صفته، والمنقطع: أن يقول: قال رسول الله ﷺ من غير ذكر راو أصلا، حكاه الكيا الطبري في تعليقه وقال: "فالمرسل إذا ذكر راويا ولم يذكر اسمه وصفته، والمنقطع إذا لم يذكر راويا أصلا، وإن كان على الحقيقة لا بد من إسناد، هذا مصطلح المحدثين". انتهى، وكتبته من خط المصنف (^٢) في فوائد رحلته، وأنكره عليه وقال: "هذا لا نعرفه وإنما هو من كيسه "»، وتجد معنى هذا الكلام في تعليقتنا بلفظ: «اعلم أنَّ المرسل عند الأصوليين هو أن يقول الراوي: «حدثني فلان عن رسول الله صلى الله عليه» من غير أن يذكر اسمه وصفته. وأما المنقطع: فهو أن يقول الراوي: "قال رسول الله صلى الله عليه" من غير أن يذكر راوي أصلا ولا هو فقيه؛ هذا ما اصطلحوا عليه» (^٣).
٢ - وقال الزركشي في مسألة «عصمة الأنبياء من الكبائر»: «وقال القاضي عياض: إنها ممتنعة سمعا، والإجماع دل عليه. ولو رددنا إلى العقل فليس فيه ما يحيلها، واختاره إمام الحرمين، والغزالي والكيا». وفي التعليقة التي بين أيدينا: «فقال أهل الجماعة: الإجماع بأنَّهم معصومون، وأنَّ ذلك مُدرَك بالسمع، ولا
_________________
(١) في «النكت على ابن الصلاح» (٢/ ٥٧٣).
(٢) يعني ابن الصلاح.
(٣) انظر: (ص ٢٥٠).
[ ٤٣ ]
مجال للعقل في إثبات عصمتهم» (^١).
فبان بذلك ولله الحمد أن التعليقة التي بين أيدينا هي للإمام الكيا الهراسي. إشكال في نسبة الكتاب لإلكيا الهراسي
يبقى إشكال قد يقدح في التقرير السابق لولا ما يأتي من رده والجواب عليه؛ وذلك أن القطعة التي بين أيدينا ليست كبيرة الحجم، والنقل عن الكيا في كتب الأصول كثير جدا، بل أضف إلى ذلك أن من النقول عن تعليقة إلكيا ما ليس في القطعة التي بين أيدينا (^٢)، وقد يوجد نص طويل، نصفه الأول موجود في كتابنا دون نصفه الثاني (^٣)، وهذا إشكال، فيقال في الجواب:
أما النقل المجرد عن الكيا من غير نسبة لكتاب معين: فلا يلزم أن يكون من كتاب التعليقة؛ فللإمام الكيا عدة مصنفات أصولية كما سبق.
وكذلك النقل عن «التعليقة» في المباحث التي لا تكون ضمن القطعة التي وصلت إلينا لا يقدح فيما نحن فيه، كالنقل عن مباحث القياس والاجتهاد وغيرهما.
بقي البحث في النصوص المنسوبة إلى تعليقة إلكيا الأصولية، وهي ضمن المباحث التي تشملها قطعتنا لكن عريت عن تلك النقول؛ فالجواب عن هذا:
أنَّ «التعاليق»: هي ما يقيده التلاميذ في مجلس الدرس عن شيخهم (^٤)،
_________________
(١) انظر: (ص ١٩٨).
(٢) راجع الملحق؛ ففيه أمثلة كثيرة.
(٣) انظر:
(٤) انظر: «الإبرازات» (ص ٣١٠).
[ ٤٤ ]
ولذلك يختلف المعلِّق من طالب إلى طالب في الحجم والعبارة (^١)؛ لأن كل معلِّق يقيِّد ما بدا له، من غير التزام بلفظ الشيخ - بخلاف الأمالي -، فتختلف تعاليق المعلِّقين مع اشتراك المجالس أشد الاختلاف (^٢)؛ فمنهم حريص يدوِّن كل شيء، ومنهم من ينتخب من كلام الشيخ، إلى غير ذلك من تصرفاتهم. وقد يكون الشيخ له أكثر من تعليقة، ثم قد يزيد الشيخ في إحداها عن الأخرى. وقد حرر د. حاتم باي ظاهرة اختلاف التعاليق بما لا مزيد عليه، فليراجع (^٣). وبهذا ينحل إشكال تجرُّد التعليقة التي وصلت إلينا عن النقول المنسوبة لتعليقة إلكيا.
فالتعليقة التي بين أيدينا هي إحدى النسخ لـ: «تعليقة» إلكيا، وهذا يفسر عدم وجود بعض المسائل في نسختنا مع كون العلماء ينقلونها عن «تعليقة إلكيا». لكننا لم نتمكن من الكشف عن المعلِّق؛ من هو؟ ولم تخدمنا كتب التراجم فيما وقفنا عليه في وصف المعلِّقين عن إلكيا الهراسي، ولعل هذه الدراسة تكون نواة لكشف مزيد من الحقائق عن إلكيا الهراسي وتعليقته. والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.