من ابتلاء الله تعالى لإلكيا الهراسيِّ أنه اتُّهم ورُمي عند السلطان بمذهب الباطنية، فعزم السلطان السلجوقيُّ على قتله، فحماه الخليفة المستظهر، وشهد له جماعة من العلماء بالبراءة.
_________________
(١) أخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١/ ٢٩٢) عن أنس وأبي هريرة ومعاذ بن جبل، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٥٩٦) من حديث أبي هريرة، ومن حديث أبي الدرداء (١٥٩٧). قال النووي: «طرقه كلها ضعيفة»، وقال ابن حجر: «جمعت طرقه في جزء ليس فيها طريق تسلم من علة قادحة»، لكن يُفهم من كلام الحافظ السلفي في «الأربعين البلدانية» (ص ٢٨) أن بعض العلماء يراه ثابتًا، وسياق إيراد إلكيا للحديث يؤيد ذلك؛ ولعله بناء على كثرة طرقها وانضمام بعضها إلى بعض. انظر: «البدر المنير» (٧/ ٢٧٨)، «كشف الخفاء» (٢/ ٢٤٦).
[ ٢٤ ]
وممن ذكر تفاصيل هذه القضية: ابن الجوزي في «المنتظم» (^١)، فقال في حوادث سنة ٤٩٥ هـ: «في يوم الخميس سادس محرم قبض على إلكيا أبي الحسن عل بن محمد - المدرس بالنظامية ـ، فحمل إلى موضع أفرد له، ووكل به جماعة؛ وذلك أنه رفع عنه إلى السلطان محمد بأنه باطني، فتقدم بالقبض عليه فتجرَّد في حقه أبو الفرج بن السيبي القاضي (ت ٥٠٤ هـ)، وأخذ المحاضر، وكتب أبو الوفاء بن عقيل خطه له بصحة الدين، وشهد له بالفضل، وخوطب من دار الخلافة في تخليصه فاستنقذ».
وقد بين ابن السبكي سبب هذه الفتنة قائلا: «ومن غريب ما اتفق له أنه أُشيع أنَّ إلكيا باطني يرى رأي الإسماعيلية، فنمت له فتنة هائلةٌ، وهو بريء من ذلك، ولكن وقع الاشتباه على الناقل؛ فإنَّ صاحب الألموت ابن الصباح الباطني الإسماعيلي كان يُلقب بـ: إلكيا أيضًا، ثم ظهر الأمر وفرجت كربة شمس الإسلام ﷺ، وعلم أنَّه أُتي من توافق اللقبين» (^٢)، وكان من آثار هذه المحنة أنه نزع من التدريس في النظامية وقت الفتنة، ثم بعد ما شهد له العلماء بالبراءة، أعيد له التدريس.
تنويه: جاء في كتاب «يوميات فقيه حنبلي» (^٣) لابن البناء (ت ٤٧١ هـ) ما نصه: «وفي يوم الجمعة الثالث عشر منه (^٤)، وكانت نوبتي في جامع المنصور، عُرفتُ أَنَّ الهراسي الواعظ حُطَّ من الكرسي، وأنكر عليه أسباب يوردها فظيعة.
_________________
(١) (١٧/ ٧٤).
(٢) «طبقات الشافعية الكبرى» (٧/ ٢٣٣).
(٣) (ص ١٥٤ - ١٥٥).
(٤) أي: من عام ٤٦١ هـ.
[ ٢٥ ]
ومناكير يذكرها، وتعريضات بأهل السُّنَّة، وتلويحات بفضل الأشعري ومن وافقهم، وتوهيمات على العوام بأنّ أصحاب الحديث مشبهة، وفعل ثانيةً كذاك، وكسر كرسيه الذي بجامع المنصور، وتولَّى ذلك ابن سُكَرة الهاشمي حفظه الله».
ولنا مع هذا النص وقفةٌ، وهي أن يقال: إنَّ هذا المذكور في القصة ليس هو إلكيا الهراسي، الفقيه المشهور - صاحب هذه التعليقة - كما توهم المعلق على الكتاب المذكور؛ لأنَّ الهراسي كان وقتها عمره قرابة إحدى عشرة سنة، ولم يكن قد دخل بغداد كما سبق بيانه في رحلاته، فضلا عن كونه يتصدر مجالس الوعظ في هذا السن المبكر من عمره. ولعل المذكور في تلك القصة شخص آخر يشابهه في هذه النسبة إن صحت قراءة المحقق؛ وإلا فإنها تحتمل - حسب الرسم الذي اطلعنا عليه في النسخة الخطية من الكتاب المذكور - أوجها أخرى، والله أعلم.