١) وصف الله - ﷾ - القرآن الكريم بأنه عربي في آيات كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا﴾، وقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾. وظواهر هذه الآيات وغيرها يوجب كون القرآن كله عربيًا مستعملًا فيما استعملته العرب، وإلا كان خطابًا لهم بغير لغتهم. وبذلك يبطل دعوى المعتزلة وغيرهم أن المشرع تصرف بوضع أسماء على غير إطلاق اللغة.
وأجاب الجمهور وغيرهم عن هذه الآيات بأن استعمال الشرع لبعض هذه الألفاظ في غير ما وضعته له العرب لا يخرج القرآن عن كونه خطابًا بلسان العرب. فالعرب استعملت بعض الألفاظ في غير ما وضعت له، مثل كلمة حمار للبليد، والبحر للكريم، ولم يقل أحد إن هذا إخراج للخطاب عن لغة العرب.
وكذلك اشتمال القرآن على ألفاظ شرعية قليلة لا يخرجه عن كونه عربيًا. فالعبرة بالأعم الأغلب. ولذا لا يمتنع إطلاق اسم الأسود على الثور الأسود وإن كان في جلده شعرات بيض.
ثم الآيات التي استدللت بها لا تدل على كون القرآن كله عربي، لأنه قد يطلق لفظ القرآن على بعض القرآن. فقد قال سبحانه في سورة يوسف ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا﴾ وأراد تلك السورة. وذهب الفقهاء إلى
[ ١ / ١١٩ ]
أنه لو حلف شخص أن لا يقرأ القرآن فقرأ آية منه حنث في يمينه. فالآية الواحدة تسمى قرآنًا.
٢ - لو كان الرسول ﷺ قد نقل بعض الأسماء اللغوية إلى أحكام شرعية لوجب عليه ﷺ أن يوقف الأمة على نقل هذه الأسماء توقيفًا تقوم به الحجة على المكلفين ليقطع عذرهم، فيكون بطريق يفيد العلم الضروري أو النظري. وما دام لم يثبت خبر يفيد القطع في ذلك ولا ورد في الكتاب، ولا أجمعت الأمة عليه، ولا دل على ذلك العقل الجازم يجب القطع على كذب دعوى المعتزلة.
وأجاب عن هذا الدليل أصحاب القول الوسط والمعتزلة. أن النبي ﷺ قد بين بيانًا تامًا ما المعاني التي نقلت الألفاظ إليها، فبين المقصود بالصلاة بصلاة جبريل بالرسول ﷺ، ثم صلاته ﷺ بأصحابه، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وبين المقصود بالحج وقال: "خذوا عني مناسككم" وبين ما تجب فيه الزكاة وأنصبتها وشروطها ولمن تدفع وكيف تدفع. كما قام جبريل ﵇ ببيان بعض هذه الأسماء كما حدث في بيان معنى الإسلام والإيمان والإحسان. وكذلك قام الصحابة ببيان مدلولات هذه الألفاظ لمن بعدهم.
وأجابوا عن اشتراط الباقلاني حدوث البيان بطريق يفيد العلم بأنه قد حدث في بعضها، وذلك بتكرار فعل تلك العبادة كالوضوء والصلاة. وكذلك
[ ١ / ١٢٠ ]
اشتراطه ثبوت البيان بطريق قطعي إنه لا دليل عليه، وهو متعذر لا يصح إلا على قول من يقول بالتكليف بما لا يطاق.
٣ - يلزم على قول المعتزلة بأن المشرع نقل الأسماء عن معانيها اللغوية ولو لم يكن بينهما مناسبة أنه يجوز أن يقول المشرع: اقتلوا المشركين وهو يريد المؤمنين. ويقول: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ وهو يريد القاتلين، وبذلك يكون قد خاطبهم بغير لغتهم.
وأجاب الجمهور عن هذا أنه لازم على قول المعتزلة والخوارج، لأنهم يقولون بالنقل المطلق. وأما القائلون بالنقل بشرط وجود علاقة فلا يلزم على قولهم. وقد يجيب المعتزلة بأن لازم القول ليس بقول لقائله، ولم ينقل أحد عن المعتزلة ولا عن غيرهم مثل هذا الاستعمال.