١) احتج المعتزلة ومن قال بقولهم على وقوع النقل بأن الشرع أطلق اسم إسلام وإيمان وكفر وفسق على معاني مخصوصة. وهو ما لم يعرفه أهل اللغة، ولا وضعوا هذه الأسماء لما أطلقت عليه. ويدل على ذلك الحديث المتفق عليه والذي فيه: جاء جبريل ﵇ إلى الرسول ﷺ في صورة رجل، فقال: يا محمد، ما الإسلام؟ ثم قال: ما الإيمان؟ ثم قال ﷺ "هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم". فلولا أن الاسم شرعي لما احتاج إلى بيانه، لأن العرب تعرفه.
واعترض على هذا بأن صاحب الشريعة بعث ليعلم الناس الأحكام لا الأسماء.
[ ١ / ١١٥ ]
وأجيب: بأن المشرع إذا وضع حكمًا فلابد أن يضع له اسما يعرف الناس هذا الحكم، ليميزه عن غيره، فصار ذلك عائدًا إلى الأحكام.
٢ - إن لفظ "الصلاة" لم يكن مستعملًا في اللغة لمجموع الأفعال الشرعية كالركوع والسجود والتسبيح والتكبير والقعود والنية وغيرها، لأن أهل اللغة لم يكونوا يعرفون هذه الصلاة ولا شروطها وأركانها، ثم صار اسم الصلاة اسما لمجموع هذه الأفعال، حتى لا يعقل من إطلاق اسم الصلاة سواها. فيكون بذلك نقلها المشرع إلى استعمال جديد.
واعترض الباقلاني على هذا الدليل بأن الصلاة أطلقت على جميع هذه الأفعال، لأن الصلاة في اللغة بمعنى الإتباع، فالتالي للسابق يسمى مصلٍ لأنه تالٍ له، وكذلك المأموم متبع لفعل الإمام ومقتفٍ أثره.
وأجاب المعتزلة أنه يلزم على ذلك أن لا تسمى صلاة المنفرد صلاة، وهو مخالف لإجماع الأمة، وكذلك السنة التي ورد فيها تسمية صلاة المنفرد صلاة.
واعترض الباقلاني - أيضًا - بأن الصلاة سميت صلاة للدعاء الذي فيها. ولذا لم تنقل الصلاة في الشرع، بل بقيت في معناها الذي وضعت له، وهو الدعاء.
وأجاب المعتزلة عن هذا الاعتراض بأنه إذا قصد الباقلاني من كلامه أن لفظ الصلاة تطلق على جملةٍ من الأفعال التي تتألف منها الصلاة لأن فيها دعاء فقد سلمتم بما نريده من إفادة الاسم لما لم يكن يفيده في اللغة. وإن قصدتم أن اسم الصلاة واقع على الدعاء، فذلك باطل، لأن المفهوم من لفظة "صلاة" جملة الأفعال. لأننا نفهم من قولكم فلان خرج من الصلاة إذا فرغ من أفعالها، وإن كان متشاغلًا بالدعاء.
[ ١ / ١١٦ ]
ويلزم على قولكم أن الصلاة هي الدعاء أن صلاة الأخرس لا تسمى صلاة لأنه لا دعاء فيها. ويلزم - أيضًا - أن المصلي إذا أخل بالقراءة والركوع والسجود أن يقال إنه قد صلى.
ويرد على هذين الإلزامين بعدم صحتهما. وهو أن صلاة الأخرس فيها دعاء، ولا يلزم النطق في الدعاء. ويبطل الإلزام الثاني، لأننا لا نقول بصحة الصلاة بدون شروطها"
٣ - كان لفظ الصوم يفيد في اللغة الإمساك عمومًا سواء كان عن الكلام كقوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ أو الأكل والشرب ليلًا أو نهارًا، وأصبح يفيد في الشرع إمساكًا مخصوصًا.
وكذلك لفظ "الزكاة" يفيد في اللغة النماء. ثم جعل في الشرع اسم لإخراج جزء من المال طهرة له. وهو في الحقيقة نقصان وليس بزيادة.
وكذلك "الحج" في اللغة القصد مطلقًا. وفي الشرع هو قصد البيت الحرام، مع الوقوف والإحرام والطواف.
فالشرع في جميع هذه الألفاظ تصرف بنقلها إلى معان غير معانيها اللغوية.
وأجاب الباقلاني - ﵀ - أن هذه الألفاظ بقيت في معانيها اللغوية ولم تنقل، ولكن شرط المشرع في كونها مجزئة شروطًا آخر تنضم إليها، فالمشرع تصرف بوضع الشرط لا بتغيير الوضع. ولم يسلم الباقلاني بأن الشرع أحدث عبادة لم يكن لها في اللغة اسم.
[ ١ / ١١٧ ]
٤ - نقل أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع (٣٠) عن أبي علي الجبائي بأنه استدل لوقوع النقل بأن المشرع شرع عبادات ذات أركان وهيئات، ولم يكن لها اسم في اللغة، لذا دعت الحاجة إلى وضع أسماء لها تتميز بها عن غيرها، وكان أولى الأسماء بها ما ثبت له عرف في الشرع، وكثر استعماله فيه. وصار هذا بمنزلة أرباب الصناعات في صناعتهم إذا استحدثوا آلات وأدوات لم يكونوا وضعوا لها أسماء تتميز بها عن غيرها. لحاجتهم إلى ذلك، وعلى هذا وضع الأسامي في اللغات، فكذلك هنا.
والباقلاني يرد على هذا الدليل بعدم التسليم بإحداث الشرع عبادة لم يكن لها اسم في اللغة، كما تقدم.
والذي يجيب به أصحاب القول الوسط عن أدلة المعتزلة. بأنهم يسلمون بتصرف المشرع في استعمال الألفاظ، وذكر الرازي في المحصول أن استعمال المشرع وتصرفه من باب التجوز، فأصبحت الألفاظ مجازات لغوية. ومن المعلوم أن التجوز لا يكون إلا بعلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى الجديد. فالمشرع لما اختار لفظ الصلاة ليدل على العبادة المعروفة إنما اختارها لوجود علاقة بين المعنيين، وهي أن الصلاة في الشرع فيها حقيقة الدعاء. بل الدعاء مخ العبادة، وكذلك لفظ "الصوم" يوجد علاقة بينه وبين المعنى الشرعي لأن كلًا منهما إمساك. وكذلك سائر الأسماء الشرعية. ولذا يمنعون نقل المشرع للفظ نقلًا مطلقًا بدون علاقة، كما فعل المعتزلة.
[ ١ / ١١٨ ]