١ - نقل أبو الحسين البصري في المعتمد عن قوم من المرجئة نفي جواز نقل الألفاظ، وقال: "وبعض عللهم تدل على أنهم أحالوا ذلك، وبعض عللهم الأخرى تدل على أنهم قبحوه". وكذلك فعل أبو الخطاب الكلوذاني في التمهيد فقال: والكلام في هذه المسألة في فصلين: أحدهما: إنه يجوز نقل الأسماء، وكذلك فعل في الجزء الثاني من التمهيد.
ولكن الرازي في المحصول والآمدي في الإحكام نقلا الاجماع على جواز النقل عقلًا وحصرًا الخلاف في الوقوع. ومن علم حجة على من لم يعلم. فما ذكره أبو الحسين - من وجود الخلاف في الجواز مع تسمية من قال بعدم الجواز، واستدل لهم - يُقدم على نفي الرازي والآمدي.
٢ - ذهب المعتزلة والخوارج وتابعهم على ذلك بعض الفقهاء إلى جواز نقل الألفاظ اللغوية إلى معاني شرعية نقلًا كليًا بدون أي علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي. فهي معاني مبتكرة ابتكرها المشرع، يجوز أن لا يلاحظ فيها المعنى اللغوي، وإذا حدث أن وجدت علاقة بين المعنى اللغوي
[ ١ / ١١٠ ]
والمعنى الشرعي فإنه اتفاق بطريق الصدفة ليس مقصودًا. فالأسماء الشرعية عندهم ليست حقائق لغوية ولا مجازات عنها.
قال أبو الحسين في المعتمد: "ذهب شيوخنا والفقهاء إلى أن الاسم اللغوي يجوز أن ينقله الشرع إلى معنى آخر. ثم قال: ولا فرق بين أن يوضع لتلك العبادة اسم مبتدأ، وبين أن ينقل إليها اسم من أسماء اللغة مستعمل في معنى له شبه بالمعنى الشرعي، بل نقل اسم لغوي إليه أولى":
ووافق المعتزلة في مذهبهم أبو الخطاب في التمهيد رأيًا استدلالًا. ونقله عن شيخه أبي يعلي. ولكن الموجود في العدة خلافه. ونقله عن أبي حنيفة. وما نقله أصحاب أبي حنيفة خلافه، والصحيح أن الذي قال بهذا القول هو الدبوسي والسرخسي والبزدوي، كما في فواتح الرحموت وأصول السرخسي وميزان الأصول.
٣ - ذهبت جماهير الأصوليين إلى أن الشرع تصرف في اللفظ اللغوي، كما تصرف أهل العرف في بعض الألفاظ بنقلها عن معناها الموضوعة له أصلًا، إما على سبيل قصر اللفظ على بعض معناه، كقصر لفظ الدابة على ذوات الأربع، أو على سبيل التجوز بإضافة الشيء إلى غير ما هو له كقولهم: الخمر محرمة، والمحرم شربها. وقالوا: وكذلك الألفاظ الشرعية خصصت لفظه الصلاة، واستعملت في دعاء مخصوص.
ولكن اختلفت عباراتهم في التعبير عن هذا الواقع.
فبعضهم عبر عنه أنه نقل، ولكن ميزة عن قول المعتزلة بأنه ليس نقلًا مطلقًا، بل مع وجود علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، مثل فعل
[ ١ / ١١١ ]
أهل اللغة بالألفاظ العرفية. وبعضهم اضطرب مثل الشيخ أبي إسحاق الشيرازي فسماه في التبصرة نقلًا، وتردد في شرح اللمع.
وبعضهم أبي أن يسميه نقلًا. ي وحرروا مرادهم بدون وصفه بأنه نقل. وهذا القول كما هو ظاهر إنه مذهب وسط بين مذهب الباقلاني والمعتزلة. واتفق أصحاب هذا القول على أنها مجازات لغوية لعدم استعمال المشرع لها في معانيها اللغوية. وذهب بعضهم إلى أنها اشتهرت فأصبحت حقائق شرعية.
٤ - مذهب الباقلاني: قال في التقريب ص ٣٨٧ "إن الذي عليه أهل الحق وجميع سلف الأمة من الفقهاء وغيرهم أن الله ﷾ لم ينقل شيئًا من الأسماء اللغوية إلى معان وأحكام شرعية، ولا خاطب الأمة إلا باللسان العربي ولا أجرى سائر الأسماء والتخاطب إلا على ما كان جاريًا عليه في وضع اللغة".
ولكنه في نقاشه للمعتزلة في ص ٣٩٥ قال: "الصلاة في اللغة هي الدعاء، ولكن أخذ علينا أن تكون دعاء على شروط ومعه نية وإحرام وركوع وسجود وقراءة وتشهد وجلوس، فالاسم في الشريعة لما كان صلاة في اللغة، وإن ضمت إليه شروط شرعية". وقال: "الحج في اللغة هو القصد، ولكنه في الشرع قصد إلى بيت مخصوص".
وبضم كلام الباقلاني إلى بعضه يظهر أنه يقول بوجود تغيير في استعمال اللفظ في الشرع عن استعماله في اللغة. ولكن مع هذا فإنه لا يقر بوجود ألفاظ تسمى بالشرعية، ولا يسلم بالنقل. ونقل كثير من الأصوليين عن الباقلاني موافق لما هو في التقريب.
[ ١ / ١١٢ ]
وأما إمام الحرمين - وهو أكثر العلماء اشتغالًا بآراء الباقلاني الأصولية - قال في البرهان: وقال آخرون: هي مقرة على حقائق اللغات، لم تنقل، ولم يزد في معناها، وهو اختيار القاضي أبي بكر، ﵀" ثم وصف ما هو عليه أنه لجاج ظاهر، ووصفه بأنه قول غير سديد.
ونسب المازري قول الباقلاني في شرحه للبرهان للمحققين من الفقهاء والأصوليين من المالكية. ونقله الزركشي في البحر المحيط عن أبي الحسن الأشعري.
٥ - ذهب أبو إسحاق الشيرازي للقول بالنقل في الأسماء الشرعية دون الأسماء الدينية احترازًا عن بدعة المعتزلة والخوارج. ونسب هذا القول الزركشي في البحر المحيط لابن الصباغ واختاره. قال في شرح اللمع ويمكننا أن نحترز من هذه المسألة عن الألفاظ الدينية، فنقول: إن الأسماء منقولة إلا هذه المسألة". وقال: "ويمكننا نصرة ذلك - أي النقل - من غير أن نشارك المعتزلة في بدعتهم، وليس من ضرورة النقل أن يكون في جميع الألفاظ".
٦ - ذهب الآمدي في الإحكام إلى التوقف.
قال في الأحكام: "وإذا عرفت ضعف المأخذ من الجانبين، فالحق عندي في ذلك إنما هو إمكان كل واحد من المذهبين، وأما ترجيح الواقع منهما فعسى أن يكون عند غيري تحقيقه.
[ ١ / ١١٣ ]
فهذه أهم الأقوال في المسألة. وسأحاول الاستدلال لها مع مناقشة الأدلة التي فيها ضعف إن شاء الله.