بالنظر في أدلة الفقه وأصوله
اعلموا أن المطلوب بالنظر في أصول الفقه وأدلته إنما هو حكم فعل المكلف الشرعي/ ص ٤٥ دون العقلي، نحو كونه حسنًا وقبيحًا ومباحًا ومحظورًا وطاعة وعصيانًا وواجبًا وندبًا وطلقًا حلالًا، وصحة العقد والتمليك، أو فساد ذلك، وكل هذه أحكام للفعل، وليس هي ذات الفعل الذي يوجد عاريًا من هذه الأحكام عند زوال التكليف، وتعلم ذاته وسائر أحكامه وأوصافه العقلية وإن لم يرد السمع فيه بحكم من الأحكام.
وزعم قوم أن حكم الفعل المطلوب بالسمع وما انتزع واستخرج منه، إنما هو ذات الفعل ونفسه، وهذا جهل من قائله، لأن وجود الفعل وذاته وجميع ما هو عليه من الصفات الراجعة إليه معلوم قبل السمع، على ما بيناه من قبل، فبطل قولهم.
[ ١ / ٢٧٤ ]
وقد اعتلوا لذلك بضرب من الجهل - أيضًا - فقالوا: يدل على ذلك أنه لو توهم عدم الفعل، لعدمت سائر أحكامه هذه، فوجب أن تكون أحكامه هي هو، وهذا باطل، لأنه قول يوجب أن تكون جميع صفات الأجسام وأحكامها وأقوالها وأفعالها هي هي، لأنه لو تصور عدم الجسم لعدمت أقواله وأكوانه ونواهيه وأوامره وجميع متصرفاته فيجب لذلك أن تكون أفعاله وتصرفه وسائر صفاته هي هو، ولما لم يجب ذلك باتفاق فسد ما ظنوه.
على أن يقال لهم: فهلا استدللتم على أن أحكام الفعل ليس هي ذات الفعل بالاتفاق، على أنه لا يجب انتفاء الفعل بانتفاء أحكامه الشرعية من نحو كونه حلالًا وحرامًا وما جرى مجرى ذلك، ولا جواب لهم عنه.
واستدلوا - أيضًا - على أن حكم الفعل هو الفعل بأن حكمه هو كونه حلالًا وحرامًا، قالوا والكل يقولون هذا الفعل حلال وهذا حرام، فيجعلون نفس الفعل هو الحلال والحرام، فوجب أن يكون حكم الفعل هو الفعل.
وهذا باطل، لأنه لا معتبر بالإطلاقات التي منها حقيقة ومنها مجاز وإنما يصفون الفعل بأنه حلال وحرام على معنى أنه محلل ومحرم ومحظور ومندوب إليه وموجب، والتحليل والتحريم والندب والإيجاب هو حكم الله تعالى وإخباره عن الشيء بأنه قد جعله كذلك، وهو غير الفعل وعلى أنه لو سلم أن الحلال والحرام هو الفعل لوجب أن يكون هذا الحكم ثابتًا له لمعنى يتعلق به، وهو حكم الله تعالى، فالمطلوب لا محالة حكم في الفعل وصفة حاصلة له بالسمع دون ذاته، وما هو عليه مما هو معلوم بمجرد العقل فبطل ما قالوه.
[ ١ / ٢٧٥ ]
باب