بعد ما أوردنا أدلة كافة الأقوال في المسألة وناقشناها. ظهر أن كل قول من القولين المتطرفين - قول المعتزلة وقول الباقلاني - جمع بين صواب وخطأ.
فقد أخطأ المعتزلة في قولهم وضع المشرع أسماء لما استجد من عبادات ومعاني شرعية بدون اعتبار معاني الألفاظ من جهة اللغة. وألحق أن جميع الأسماء الشرعية - بعد التقصي - لها علاقة بمعانيها اللغوية.
وأصاب المعتزلة في إثبات التصرف للمشرع، لأن تطابق المعنى الشرعي والمعنى اللغوي من كل وجه لم يحدث. وأما تسمية تصرف المشرع نقلًا أو عدم تسميته نقلًا فهو خلاف لفظي.
[ ١ / ١٢٤ ]
أما الباقلاني فجمد بقوله إن الألفاظ مبقاة على وضعها اللغوي، وإن كان عند استدلاله أثبت تصرفًا للمشرع في نطاق ضيق على فلتات لسانه، فجعل ما دلت عليه الألفاظ الشرعية من معنى زائد عن المعنى اللغوي إنما هو شروط فقط، ولكن لم تتغير ماهية اللفظ. والذي حدا بالباقلاني - ﵀ - إلى الوقوف في هذا الموقف الجامد - الذي عابه عليه أشد الناس تأثرًا بآرائه الأصولية كإمام الحرمين والغزالي - مسألة جد خطيرة، وهي استغلال المعتزلة هذه المسألة في الطعن على الصحابة بعدم إثبات الإيمان الشرعي لهم. كما سنذكر ذلك في ثمرة النزاع في هذه المسألة. بل ذهب الخوارج إلى أبعد من ذلك، فوصفوا بعض الصحابة بالكفر.
وبناء على ما تقدم يكون القول الوسط هو الراجح. وهو قول من أثبت تصرف المشرع، فنقل الأسماء عن معناها اللغوي على سبيل التجوز لوجود علاقة بين المعنى الشرعي والمعنى اللغوي. فأصبحت الأسماء الشرعية مجازات لغوية. ثم لما اشتهرت بحيث إذا أطلقت لم يفهم منها إلا المعنى الشرعي أصبحت حقائق شرعية، لأن أمارة الحقيقة التبادر إلى الذهن.