الحالة الاجتماعية:
نظرًا للاضطراب السياسي الموجود في ذلك القرن، وعدم الاستقرار النفسي في داخل دولة بني بويه، الذي كان من مظاهره نقل مركز الحكم في عهد بني بويه عدة مرات بني بغداد وشيراز وغيرهما. ثم تطاول بنو بويه على الخليفة العباسي، ومعاملته معاملة في غاية الإذلال والاحتقار، بدافع بطر القوة أولًا، واعتناق بني بويه للتشيع مذهبًا وميلهم للعلويين ثانيًا وما يحملونه من حقد على أهل السنة عمومًا وبني العباس خصوصًا ثالثًا. كل ذلك حملهم على سلب الخلفاء كل ما كان لهم من حاشية ووزراء ونفوذ. فأصبح الوزراء لبني بويه دون الخليفة.
ومظهر آخر من مظاهر عدم الاستقرار تمثل في كون بني بويه لم يكن لهم خلق المسلم من الوفاء لمن لاذ بهم من الوزراء والقضاة وغيرهم، بل نالهم ما نال الخلفاء من مصادرة الأموال والبطش بهم، نذكر بعض النماذج لا على سبيل الاستقصاء والحصر.
فمعز الدولة البويهي صادر من ابن شيرازاد خمسمائة ألف درهم. وصادر من صاحب شرطته "الإبزاعجي" ثلاثماية ألف درهم. وصادر جميع أموال وزيره "المهلبي" لما توفى سنة ٣٥٢ هـ.
[ ١ / ١٥ ]
وصادر بها الدولة أموال وزيره - سابور بن أردشير - فبلغت مليوني دينار.
وصادر عضد الدولة البويهي أموال القاضي أبي على الحسن بن علي التنوخي.
وصادر فخر الدولة البويهي جميع أموال وزيره الصاحب بن عباد لما توفي، وصادر أموال قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد كذلك.
ولم يبطل هذا التقليد من مصادرة الأموال، وعدم الوفاء إلا على يد شرف الدولة البويهي، على ما ذكره ابن الجوزي في المنتظم.
أطلق بنو بويه لوزرائهم اليد في تصريف شئون البلاد والعباد، فاستغلوا مناصبهم، فأثروا ثراء فاحشًا على حساب عامة الناس، الذين كانوا في فقر مدقع، معظمهم لا يحصل على لقمة العيش، فأصبحت الطبقية مسيطرة في أجلى صورها ومظاهرها. وهذا الواقع يؤدي إلى التفكك بين فئات المجتمع، وإلى عدم التآلف. زد على ذلك الاختلاف في المعتقد بين جمهور الناس والطبقة الحاكمة. فغالبية الناس يعتقدون مذهب أهل السنة. وأما بنو بويه ووزراؤهم وقضاتهم يعتقدون مذهب المعتزلة، الذين استغلوا نصرة السلطان لسوم أهل السنة الكثير من الاضطهاد والمضايقة في اعتقاداتهم.
ذكر ابن الأثير في الكامل أن بني بويه كانوا يؤججون نار الفتنة بين أهل السنة والشيعة فيأمرن بلعن معاوية بن أبي سفيان، والتهجم والطعن على الخلفاء الراشدين الثلاثة الأول - فقد أمر الدولة في العاشر من
[ ١ / ١٦ ]
محرم سنة ٣٥٢ هـ. بإغلاق الحوانيت في بغداد، وإبطال البيع والشراء في الأسواق، وإظهار النياحة، وأن تخرج النساء منشورات الشعور، مسودات الوجوه، يلطمن وجوههن على الحسين بن علي - ﵄ - وأمر في الثامن عشر من ذي الحجة من نفس العام بإظهار الزينة وإشعال النيران احتفالًا بعيد "غديرخم" مما كان يؤدي إلى قيام اضطرابات مسلحة بين الناس والجند.