بالرغم مما كانت عليه الحالة السياسية من عدم الاستقرار، وما كانت عليه الحالة الاجتماعية من التفكك وانتشار الظلم، فإن هذا لم يضعف الحركة العلمية والثقافية والفكرية، بل قد أججها وزادها قوة، وذلك لأسباب كثيرة نذكر منها:
أولًا: إن الصراع العقدي الموجود بين المعتزلة وأهل السنة من جهة، والشيعة وأهل السنة من جهة أخرى أثرى الفكر الإسلامي، لما كان يدور بينهم من مناظرات في ردهات القصور وعند سواري المساجد. وكذلك فقد نشط التأليف من شتى الفرق والمدارس ليبين كل معتقده ومذهبه بيانًا شافيًا، كما يرد على طعون خصومهم بإسهاب، فألفت المطولات، وخاصة في الاعتقاد. ولم يقتصر كل إمام على مصنف أو مصنفين، بل تجد للواحد منهم العديد من المصنفات. وسيظهر لك هذا الأمر جليًا عند ذكر مصنفات القاضي الباقلاني. التي كان معظمها في مباحث العقيدة وإن تعددت مواضيعها، والفرق التي نقدها، وأبطل ما هي عليه بأدلة ساطعة وبراهين
[ ١ / ١٧ ]
جلية مع بيان مذهبه الذي يدين الله به وينتصر له. كما يظهر تعدد المصنفات واتساع بسط الاستدلال - أيضًا - في مصنفات قرينه ومعاصرة قاضي قضاة المعتزلة عبد الجبار بن أحمد الذي ألف العديد من كتب الاعتقاد. وعلى رأسها موسوعته التي سماها بالمغني. والتي عثر حتى الآن على أكثر من عشرين مجلدًا منها.
ثانيًا: كان كل أمير ووزير يحرص على أن يكون في بلاطه وردهات قصره كبار المفكرين في شتى نواحي المعرفة من الأدباء والشعراء والمتكلمين والفقهاء، يحيطهم برعايته ويغدق عليهم. ويعتبرون عملهم هذا مدعاة للفخر والاعتزاز. ومن هنا ندرك سبب حرص عضد الدولة على استقدام القاضي الباقلاني من البصرة إلى شيراز لكي يمثل أهل السنة في مجالسه العلمية، وإن كان هو معتزليًا رافضيًا. كما أن السبب نفسه هو الذي دفع بالصاحب ابن عبد إلى استقدام عبد الجبار بن أحمد الذي أصبح قاضي قضاة المعتزلة إلى الري.
ثالثًا: شيوع الاضطراب السياسي، وانتشار الظلم في المجتمع قد يكون سببًا في حمل كثير من أهل الفكر وذوي العقول الراجحة أن يفروا من العمل السياسي إلى العمل العلمي، وبذلك يتوفر لهم الوقت الطويل للانقطاع للإنتاج العلمي. وهيبة العلماء وحرمتهم وقعت في نفوس كثير من الأمراء. وكان عدم انغماسهم في العمل السياسي ملاذًا لهم من بطش الأمراء والوزراء.
فليس من الضروري أن يتبع العمل العلمي والثقافي العمل السياسي قوة وضعفًا.
[ ١ / ١٨ ]
رابعًا: لقد تولى الوزارة لبني بويه طائفة من كبار الأدباء والعلماء والمفكرين، الذين شجعوا العلم واعتنوا به عناية فائقة. واقتنوا عيون كتب الأدب والفكر بشتى فنونه، وأنفقوا الأموال الطائلة على ذلك.
ومن أبرز هؤلاء ابن العميد، الذي قيل فيه "بُدئت الكتابة بعبد الحميد وانتهت بابن العميد". ومنهم الصاحب بن عباد، الذي كان وزيرًا لمؤيد الدولة، ثم لفخر الدولة. وكانت مجالسهما العلمية والأدبية أعظم من أن توصف. وكانت تضم من فحول الشعراء وأساطين الأدب وفحول المتكلمين والفقهاء مالا يحصى كثرة، بالرغم من أنهما فارسيان. ولكنهما كانا في غاية العناية باللسان العربي. بل فاقا كثيرًا من العرب.
وكان من الوزراء الذين اعتنوا بالأدب والعلم، وبذلوا فيه الغالي والنفيس الوزير المهلبي، الذي كان وزيرًا لمعز الدولة، ومنهم - أيضًا - الوزير ابن سعدان، وزير صمصام الدولة، وسابور بن أردشير، وزير بهاء الدولة.
ولم تقتصر العناية بالأدب والعلم والفكر على الوزراء بل كان هذا شأن بني بويه، وعلى الأخص عضد الدولة، الذي كان يؤثر مجالسة الأدباء على منادمة الأمراء على ما ذكره الثعالبي في يتيمة الدهر. كما أنه كان يقول الشعر، ويحكم على معانيه. وقد خصص في داره للحكماء والفلاسفة موضعًا على قرب منه ليشاركهم مباحثاتهم.
لقد كان للعراق وفارس في عهد بني بويه الصدارة في العلم والأدب والفلسفة. كما حوت من جهابذة العلماء في شتى الفنون والعلوم ما لم يجتمع لبلد آخر في القرن الرابع.
[ ١ / ١٩ ]
وبذلك نكون قد ألقينا الضوء على بيئة القاضي الباقلاني الاجتماعية والثقافية، التي أثر فيها بجهوده ومناظراته ومؤلفاته، كما أثرت فيه فدفعته لخوض معركة مع المعتزلة لا هوادة فيها، أشهر فيها قلمه ولسانه دفاعًا عن معتقده، حتى لقبه معاصروه بسيف السنة.
[ ١ / ٢٠ ]
الباب الأول
في ترجمة القاضي الباقلاني
وفيه أحد عشر مبحثًا
الأول: اسمه وكنيته ولقبه
الثاني: ولادته ونشأته وأسرته.
الثالث: طلبه العلم وشيوخه.
الرابع: الوظائف التي شغلها.
الخامس: تلاميذه.
السادس: مذهبه العقدي والفقهي.
السابع: صفاته وأخلاقه.
الثامن: رأي العلماء فيه.
التاسع: مناظراته.
العاشر: مؤلفاته.
الحادي عشر: وفاته.
[ ١ / ٢١ ]