عاش أبو بكر الباقلاني في المشرق الإسلامي متنقلًا بين البصرة وبغداد شيراز وغيرها في القرن الرابع الهجري، في وقت انقسمت فيه الدولة الإسلامية إلى دويلات بعد أن ضعفت سلطة الخليفة العباسي، بل تلاشت، ولم يبق له إلا ذكر اسمه في الخطبة ونقش اسمه على العملة.
لقد كان من أقوى الدويلات في المشرق دولة بني بويه، التي تأسست سنة ٣٢٢ هـ على يد أبي شجاع بويه، الذي كان من سكان جبال الدلم جنوب غرب بحر قزوين. وهو من أصل فارسي لا يحسن العربية. دخل في خدمة السامانيين أولًا، ثم انضم إلى خدمة مرادويج مؤسس دولة بنى زيار سنة ٣١٨ هـ. وفي سنة ٣٢٠ هـ عين مردوايج ولد بويه الأكبر "عليا" ومالوا إليه، ثم بدأ في تحقيق أطماعه، فاحتل أصبهان سنة ٣٢١ هـ، ثم كرمان والأهواز والري وهمذان وشيراز سنة ٣٢٢ هـ وما بعدها بمساعدة أخويه حسن وأحمد. ثم أعلن أولاد بويه استقلالهم عن الخليفة العباسي، فاضطر للاعتراف بهم أنهم نوابه.
اتخذ علي بن بويه شيراز مركزًا لدولته إلى أن توفي سنة ٣٣٨ هـ. فتولى الحكم أخوه حسن الذي نقل دولته للري. وبقيت الري مركزًا لدولته إلى أن توفى سنة ٣٦٦ هـ.
[ ١ / ١١ ]
أما بغداد فقد دخلت في حكم بني بويه في الحادي عشر من جمادى الأولى سنة ٣٤٤ هـ حيث توجه إليها أحمد الابن الأصغر لبويه فدخلها وخلع الخليفة العباسي "المستكفي" على أبناء بويه الثلاثة ألقابًا فسمى عليًا "عماد الدولة" وحسنا "ركن الدولة"، وأحمد "معز الدولة وأمير الأمراء". وأمر أن تُنقش اسماؤهم على الدنانير والدراهم. ولكن معز الدولة البويهي جازى الخليفة "المستكفي" على هذا جزاء سنمار. فجرده من جميع سلطاته، وصادر أمواله، وأجرى عليه خمسة آلاف درهم يوميًا لنفقاته، ثم أجبره على التنازل عن الخلافة للمطيع لله. فعامله معاملة في غاية الإذلال والإهانة وسمل عينيه، مما يدل على حقد دفين على بني العباس خاصة، وأهل السنة عامة، لأن بني بويه من الشيعة الزيدية على مذهب الفرقة "السليمانية" نسبة لسليمان بن جرير، بل حاول أحمد معز الدولة نقل الملك للعلويين لولا أن نبهه بعض حاشيته لعواقب ذلك.
وفي سنة ٣٥٦ هـ توفى معز الدولة أحمد، فآل الأمر إلى ولده "بختيار" الملقب بعز الدولة. ولم تكن معاملته للخليفة بأحسن من سلفه، بل ضيق على الخليفة العباسي "المطيع لله" حتى اضطره إلى بيع ثيابه، وأجبره على التنازل للطائع سنة ٣٦٣ هـ. ثم حدث للطائع ما حدث لوالده على يد بهاء الدولة البويهي سنة ٣٨٢، وأجبره على التنازل للقادر بالله، الذي بقي على كرسي الخلافة خمسون عامًا.
وفي سنة ٣٦٧ هـ آل أمر بني بويه إلى عضد الدولة بن ركن الدولة فنقل مركز الدولة إلى بغداد وبقيت بغداد مركزًا للدولة إلى سنة ٣٨٩ هـ، حيث نقلها بها الدولة إلى شيراز مرة أخرى.
[ ١ / ١٢ ]
بعد ذلك دب الخلاف والنزاع بين بني بويه. وأخذت دولتهم في التقلص وشوكتهم في الضعف. واستمروا على ذلك من سيئ إلى أسوأ حتى سقطت دولتهم سنة ٤٤٧ هـ بدخول "طغرل" بيك بغداد.
هذه اللمحة التاريخية عن الحالة السياسية في المشرق الإٍسلامي عامة، وعن دولة بني بويه خاصة تدل على عدم الاستقرار السياسي إلا في بعض فترات الحكم، كالفترة التي تولى فيها الحكم عضد الدولة البويهي، الذي كان للباقلاني صلة به. فقد كان عضد الدولة من أقوى حكام بني بويه شخصية وأبعدهم نظرًا. وقد كان للوزراء في دولة بني بويه شأن عظيم ومنزلة رفيعة. وبيدهم مقاليد تصريف كثير من أمور الدولة.
ولقد كان للباقلاني دور سياسي بارز حيث استقدمه عضد الدولة إلى شيراز من البصرة، وألحقه بمجالس العلماء في قصره. وفي عام ٣٧١ هـ أرسله عضد الدولة على رأس سفارة إلى ملك الروم "باسيلوس الثاني" على أثر طمع بعض قادة الروم في ملك باسيلوس. فالتجأ القائد الطامع في الحكم واسمه "ورد" إلى عضد الدولة طلبًا للنصرة والحماية، فأرسل باسيلوس وأخوه لعضد الدولة يعرضان عليه تسليم القائد مقابل إطلاق سراح جميع أسرى المسلمين في بلاد الروم، وعلى أثر ذلك أرسل عضد الدولة القاضي الباقلاني للتفاوض، وعاد الباقلاني يحمل مشروع معاهدة حول ذلك الأمر. ومن ذلك تظهر مكانة الباقلاني عند عضد الدولة.
ولم يقتصر الباقلاني في تلك السفارة على دوره السياسي، بل قام بمناظرات دينية، تدل على مدى غيرته على دينه وعلو همته وعزة نفسه، سنذكرها في فصل مناظراته إن شاء الله.
[ ١ / ١٣ ]
وذكر ابن الأثير في الكامل للباقلاني موقفًا سياسيًا آخر. وهو أن "قرواش بن المقلد" أمير بني عقيل، الذي ألت له السيطرة على الموصل والأنبار والمدائن والكوفة في عهد الخليفة العباسي "القادر بالله" خطب للحاكم بأمر الله الفاطمي، فأرس الخليفة لبهاء الدولة البويهي يستحثه على إخماد الفتنة، فكان للباقلاني دور في إرجاع الخطبة للخليفة العباسي.
[ ١ / ١٤ ]
المبحث الثاني