الباقلاني - ﵀ - كسائر الناس يوجد من يُعجب به فيثنى عليه، ويوجد من يبغضه أو لا يوافقه فيطعن فيه. وسننقل بعض ما قيل فهي محاولًا بيان وجهة من الصحة وعدمها. فكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا الرسول ﷺ، الذي لم تثبت العصمة لأحد من أمته بعده إلا لمجموعها. وممن طعن فيه:
١ - أبو حامد الاسفرائيني الفقيه الشافعي الكبير القدر المتوفي سنة ٤٠٦ هـ.
نقل السيد أحمد صقر عن فتاوى ابن تيمية في مقدمة كتاب "إعجاز القرآن" للباقلاني: أن أبا حامد الاسفرائيني كان ينهى أصحابه عن الكلام، وعن الدخول على الباقلاني. وكان يقول: إنه مبتدع يدعو الناس إلى الضلالة. وقال: إنه كان أبو حامد إذا سعى إلى الجمعة من قطيعة الكرخ إلى جامع المنصور يدخل الرباط المعروف بالروزي، ويقول لمن حضر: اشهدوا على بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، كما قاله أحمد بن حنبل، لا كما يقوله الباقلاني، وتكرر ذلك منه في جمعات وكان يقول: أنا بريء من مذهب الباقلاني وعقيدته.
[ ١ / ٥٤ ]
والناظر في هذا الكلام قد يفهم منه أن الباقلاني يقول بأن كلام الله مخلوق مطلقًا. وهذا منافٍ لما عرف من مذهبه. فالباقلاني يقول بأن الكلام النفسي صفة من صفات الله - سبحانه - غير مخلوق. وأما القرآن المكتوب في المصاحف مخلوق، ولهذا نسب الشيخ أبو حامد الباقلاني للابتداع، ونهى عن الدخول عليه، والكلام معه لأجل هذه البدعة. وأبو حامد معروف بشدة الإنكار على أصحاب الكلام عمومًا والأشاعرة والباقلاني خصوصًا. وكان الباقلاني - ﵀ - يخرج إلى السوق متبرقعًا خشية من الشيخ أبي حامد لهيبته وعلو منزلته.
وهذا الطعن من أبي حامد ووصفه للباقلاني بالابتداع مع التحذير من الدخول عليه فيه تطرق في الإنكار. وهو أعظم الطعون تأثيرًا، نظرًا لأنه من كبار علماء المسلمين في زمانه، الذين لهم أهمية ووزن علمي.
٢ - أبو حيان التوحيدي المتوفي سنة ٤١٤ هـ.
يقول في كتابه "الامتاع والمؤانسة" عن الباقلاني: "إنه يزعم أنه ينصر السنة، ويفحم المعتزلة، وينشر الرواية، وهو في أضعاف ذلك على مذهب الخرمية، وطرائق الملحدة".
ونقدم على نقض هذا الكلام لمحة عن حال أبي حيان حتى يعرف أنه ممن تقبل شهادته أو ممن ترد.
يقول ياقوت الحموي في معجم الأدباء: "كان أبو حيان مجبولًا على الغرام بثلب الكرام".
[ ١ / ٥٥ ]
ونقل ابن السبكي في طبقاته عن الذهبي قوله: "كان أبو حيان سيئ الاعتقاد، وكان كذابًا قليل الدين والورع عن القذف، والمجاهرة بالبهتان، والقدح في الشريعة، وكفاه ما كان يلصقه بأعلام الصحابة من القبائح، ويضيف إلى السلف الصالح من الفضائح".
ونقل الذهبي عن أحد العلماء أنه قال: "لم أزل أرى أباحيان التوحيدي في زمرة أهل الفضل حتى صنع رسالة منسوبة إلى أبي بكر وعمر. وقال: إنهما راسلا بها عليًا. قاصدًا بذلك الطعن على الصدر الأول".
ونقل طاش كبرى زادة في كتابه مفتاح السعادة عن ابن الجوزي قوله: "زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الرواندي والتوحيدي وأبو العلاء المعري، وشرهم على الإسلام التوحيدي، لأنهما صرحا ولم يصرح".
وما نقله من الكلام في أبي حيان التوحيدي يجعله مردود الشهادة. فمن يتجرأ على الصحابة وسلف الأمة لا يردعه دينه عن الوقوع فيمن هم دونهم. ومن وصف بالزندقة، فإن كان كما وصف فقد خرج من الدين، ولا يقبل قوله في أحد.
وما وصف به التوحيدي الباقلاني ليس بغريب ولا عجيب إذا علمنا أنه وقع في صحابة رسول الله، وفي كبار علماء زمانه ورعًا وفضلًا، فقد وقع في العالم الجليل أبي القاسم الداركي شيخ فقهاء الشافعية المتوفي سنة ٣٥٧ هـ. وهو من الفضل والورع والوقار مما لا يخفى على أحد، حتى عده بعضهم أنه المجدد على رأس المائة الرابعة. فقال التوحيدي فيه: "أما الداركي فقد اتخذ الشهادة مكسبًا، وهو يأكل الدنيا بالدين، ويغلب عليه اللواط، ولا يرجع إلى ثقة وأمانة، وهو خبيث قليل اليقين".
[ ١ / ٥٦ ]
ورمى جميع المتكلمين بقلة الدين فقال: "ولم أر متكلما في مدة عمره بكى خشية، أو دمعت عينه خوفًا، أو أقلع عن كبيرة رغبة، يتناظرون مستهزئين ويتحاسدون متعصبين، ويتلاقون متخادعين، ويصنفون متحاملين، جذ الله عروقهم، واستأصل شأفتهم، وأراح البلاد والعباد منهم، فقد عظمت البلوى بهم، وعظمت آفاتهم على صغار الناس وكبارهم، ودب داؤهم، وعسر دواؤهم، وأرجو أن لا أخرج من الدنيا حتى أرى بنيانهم متضعضعا، وساكنه متجعجعًا".
أفبعد هذا يقبل لأبي حيان قول؟ لأن أظن أحدًا يعلم حاله حق العلم يصدقه فيما يقول.
وكتب الباقلاني كلها دليل ساطع على عظم فريته على الباقلاني.
فالخرمية التي اتُهم بها الباقلاني فرقة مبتدعة، لا يعدها أحد من مؤرخي الفرق من زمرة المسلمين، لأنها تستحل كل محرم، وتذهب إلى شركة الناس جميعًا في الأموال والنساء، ويجتمع رجالها ونساؤها في ليال ويعكف كل واحد منهم على المرأة التي اتفق جلوسها بجانبه. ويدينون بألوهية بابك الخرمي. ولا أدري كيف يكون الباقلاني من هذه الفرقة ويخفي أمره على جميع الناس عدا أبا حيان. وكيف يتركه حساده المتربصين به، ولا يرفعون أمره للسلطان فيهدر دمه ويصلبه كما فعل ببابك الخرمي. ففرية أبي حيان على الباقلاني فرية مفضوحة، لا تستحق كل هذا الاهتمام والرد.
وأما الدوافع على فعل أبي حيان هذا - فيما أظن - هو إشباع نهمه في نهش أعراض المسلمين الذي عليه يجيته. فهو متأس بالحطيئة الذي لا ينطق لسانه إلا بهجاء الناس، فلما لم يجد من يهجوه هجا نفسه.
[ ١ / ٥٧ ]
وقد تكون أسباب لوقوع اختياره للمتكلمين عمومًا والقاضي الباقلاني خصوصًا. ولعل منها بغضه لعلم الكلام والمتكلمين. أو يكون فعله هذا انتصارًا لأستاذه أبي سليمان المنطقي الذي يعادي القاضي الباقلاني. والله أعلم.
٣ - أبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم الأهوازي المتوفي ٤٤٦ هـ. ألفن الأهوازي كتابًا في مثالب أبي الحسن الأشعري خصوصًا وأصحابه عمومًا ورد عليه ابن عساكر بكتابه "تبين كذب المفتري" وممن ناله طعن الأهوازي القاضي الباقلاني، فقال ابن عساكر في تبيين كذب المفتري وهو ينقل طعن الأهوازي على الباقلاني ويرد عليه: "وأما ما ذكره في حق القاضي أبي بكر الباقلاني - ﵀ - من أنه كان أجير الفامي، وأنه إنما ارتفع قدره بمداخلة السلاطين لا بالعلم، فهو عين الجهل والتعامي وهل ينكر فضل القاضي في العلم والفهم من شم أدنى شمة من العلم؟ فتصانيفه في الخلق مبثوثة، وعلومه عنه مستفادة موروثة، وقد كان يدرس المدة الطويلة في دار السلام، ويصنف الكتب الجليلة في قواعد الإسلام، فقوله في حقه قول من لا يتحاشى من الكذب".
وتعليق ابن عساكر على طعن الأهوازي كاف في الجواب إلا إني أضيف أن الأهوازي مثل التوحيدي مردود الشهادة لعدم تزيكة أهل العلم له من محدثين وغيرهم. ويكفيه قبحًا تجرؤه على وضع الأحاديث على رسول الله ﷺ.
قال عنه تلميذه الخطيب البغدادي: أبو علي الأهوازي كذاب في الحديث والقرآن جميعًا"، وقال عنه ابن العماد الحنبلي: "الأهوازي ضعيف".
[ ١ / ٥٨ ]
وذكر ابن عساكر في تبيين كذب المفتري أن الأهوازي كان سالميًا مشبهًا مجسمًا حشويًا، ألف كتابًا سماه " البيان في شرح عقود أهل الإيمان" شحنه بأحاديث الصفات، ومن اطلع على ما فيه من الآفات، ورأى ما فيه من الأحاديث الموضوعة، والروايات المستنكرة المدفوعة، والأخبار الواهية الضعيفة، والمعاني المتنافية السخيفة، كحديث ركوب الجمل وهو: "رأيت ربي يوم عرفة بعرفات على جمل أحمر عليه إزاران وهو يقول: قد سمحت قد غفرت إلا المظالم". وحديث عرق الخيل، وهو: "إن الله - تعالى لما أراد أن يخلق نفسه خلق الخيل فأجراها حتى عرقت، ثم خلق نفسه من ذلك العرق" قضى عليه في اعتقاده بالويل.
والسالمية التي ينتمي لها الأهوازي تقول: "إن الله سبحانه يرى في صورة آدمي" ويعتقدون أن الميت يأكل في قبره ويشرب. وأن الله سبحانه يقرأ القرآن على لسان كل قارئ.
ومن هذا حاله كيف يقبل قوله في علماء المسلمين؟
٤ - ابن حزم أبو محمد علي بن أحمد المتوفى سنة ٤٥٦ هـ. نسب له أقوالًا معظمها لم يقلها الباقلاني، ولا توجد في كتبه، ومن ذلك:
(أ) قال في كتابه "الدرة فيما يجب اعتقاده": "قال الباقلاني: إن جميع المعاصي جائزة من جميع الأنبياء حاش الكذب في البلاغ فقط".
والذي وجدته في كتابه "التقريب والإرشاد" موضوع التحقيق في هذا الكتاب أنه جوز عليه التورية والمعاريض في غير البلاغ إذا احتاج إليهما، وجوز السهو والنسيان والمعاصي فيما يخصه من الفرائض" ووضح
[ ١ / ٥٩ ]
إمام الحرمين في البرهان قول الباقلاني فنسب له القول بامتناع الفواحش والموبقات والأفعال المعدودة من الكبائر، وحصر الخلاف في الصغائر، وارتضى قول الباقلاني. ونقل الشوكاني في إرشاد الفحول عن الباقلاني أنه نقل الإجماع على عصمة الأنبياء بعد النبوة من الكبائر. ونقل الآمدي في الإحكام عن الباقلاني مثل ما نقل الشوكاني. وبهذا يظهر مدى التجني في النقل من ابن حزم على أبي بكر الباقلاني.
(ب) قال ابن حزم في الدرة: "وما قال أحد من أهل الإسلام أن الإيمان عقد بالقلب دون نطق باللسان إلا طائفة من أهل البدع والشذوذ كجهم بن صفوان وأتباعه وابن الباقلاني وابن فورك، ومن وافقهم".
والذي وجدته في كتابه الأنصاف: "واعلم أننا لا ننكر أن نطلق القول بأن الإيمان عقد بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان على ما جاء في الأثر، لأنه إنما أراد ﷺ بذلك أن يخبر عن حقيقة الإيمان الذي ينفع في الدنيا والآخرة". ولكن الباقلاني في كتابه التمهيد عرف الإيمان بأنه التصديق بالله تعالى، وهو موجود في القلب. ثم بين أن هذا هو الإيمان في اللغة، وهو عل أصله يرى أن المشرع لم يغير معاني الكلمات في اللغة إلى الشرع. فأجمل في التمهيد الكلام مما حدا بابن حزم وغيره إلى نسبة الباقلاني للإرجاء بدون بيانه المراد بالإرجاء في كتابه الفصل: حدث قال: "ذهبت طوائف من الخوارج وطوائف من المعتزلة وطوائف من المرجئة
[ ١ / ٦٠ ]
منهم محمد بن الطيب الاقلاني ومن تبعه" والأمانة العلمية تقتضي أن يفصل مقالة الباقلاني حتي لا يظن ضان أنه يقول: " لا تضر مع الإيمان معصية" كما يقول جهم وغيره.
(ج) قال ابن حزم في الفصل بعد أن ذكر الشاعرة وأن ابن الباقلاني كبيرهم: "فرقة مبتدعة تزعم أن محمدًا ﷺ ليس الآن رسول الله، ولكن كان رسول الله. وهذا قول ذهب إليه الأشعري، وهذه مقالة خبيثة مخالفة لله تعالي ورسوله، ولما أجمع عليه أهل الإسلام ونعوذ بالله من هذا القول، فإن صراح".
والذي وجدته في الإنصاف للباقلاني: "ويجب أن يعلم أن نبوات الأنبياء صلوات الله عليهم لا تبطل ولا تتخرم بخروجهم عن الدنيا، وانتقالهم إلي دار الآخرة، بل حكمهم في حال خروجهم من الدنيا كحكمهم في حالة نومهم، وحالة اشتغالهم، إما بأكل أو شرب أو قضاء وطر" ففرية ابن حزم هذه وضحت بهذا النقل وضوح الشمس.
وقد كذب نسبة هذا القول للشاعرة عموما أبو القاسم القشري في رسالته لأهل العراق التي أرسلها من خراسان وشرح فيها ما نال الشاعرة وأهل السنة من البلاء، ونفي هذا القول وقع من احد من الشاعرة في مجلس مناظرة، ولا جد في كتاب لهم، والرسالة بطولها نقلها ابن السبكي في طبقاته.
(د) يقول ابن حزم في كتابه الفصل: "ذهبت طوائف من الخوارج وطوائف من المعتزلة وطوائف من المرجئة منهم محمد بن الطيب
[ ١ / ٦١ ]
الباقلاني، وجميع الرافضة من الشيعة إلي أنه لا يجوز إمامة من يوجد في الناس أفضل منه".
والذي وجدته في كتابة التمهيد قولمنها: قال قائل: خبرونا ما صفة الإمام المعقود له عندكم؟ قيل لهم: يجب أن يكون علي أوصاف: منها: أن يكون قرشيًا من الصميم.
ومنها: أن يكون من العلم بمنزلة من يصلح أن يكون قاضيًا منقضات المسلمين.
ومنها: أن يكون ذا بصيرة بأمر الحرب، وتدبير الجيوش والسرايا، وسد الثغور، وحماية البيضة، وحفظ الأمة، والانتقام من ظالمها، والأخذ لمظلومها، وما يتعلق به من مصالحها.
ومنها: أن يكون ممن لا تلحقه رقة ولا هوادة في إقامة الحدود، ولا جزع لضرب الرقاب.
ومنها: أن يكون أمثلهم في العلم، وسائر هذه الأبواب إلي يمكن التفاصيل فيها إلا أن يمنع عارض من إقامة الأفضل فيسوغ نصب المفصول". ثم أقام الأدلة علي كل ما قاله فقال:
"وإما ما يدل علي جواز العقد للمفصول وترك الأفضل لخوف الفتنة والتها رج فهو أن الإمام ينصب لدفع العدو وحماية البيضة، وسد الخلل، وإقامة الحدود، واستخراج الحقوق، فإذا خيف بإقامة أفضلهم الهرج والفساد والغالب وترك الطاعة، واختلاف السيوف، وتعطيل الأحكام والحقوق، وطمع عدو المسلمين في اهتضامهم، وتوهين أمرهم، صار ذلك عذرًا واضحًا في العدول عن الفاضل إلي المفصول.
[ ١ / ٦٢ ]
ويدل على ذلك أيضا علم عمر﵁- وسائر الأمة والصحابة بأن في الستة فاضلًا ومفضولا، وقد أجاز العقد لكل واحد منهم إذا أدي إلي صلاحهم وجمع كلمتهم من غير إنكار أحد علي عمر ذلك.
وفريته علي الباقلاني خاصة والشاعرة عموما وضحت بهذا النقل.
(هـ) قال ابن حزم في كتابه الفصل "قال الشاعرة في كتبهم: الروح تنقل عند خروجها من الجسم إلي جسم آخر، هكذا نص الباقلاني في أحد كتبه، وأظنه الرسالة المعروفة بالحرة".
والذي وجدته في الإنصاف للباقلاني. والذي جزم السيد أحمد صقر في مقدمة إعجاز القرآن أنه كتاب "الحرة" "ويجب أن يعلم أن كل ما ورد به الشرعة من عذاب القبر، وبسؤال منكر ونكير، ورد الروح إلي الميت عند السؤال، ونصب الصراط والميزان والحوض والشفاعة للعصاةة من المؤمنين، كل ذلك حق وصدق". فأثبت رجوع الروح للميت.
ثم هذا المذهب لم أجد من نسبه لأحد من الشاعرة، ولكن نسب هذا المذهب للقائلين بالتناسخ وهم السمينة وطائفة من الفلاسفة مثل سقراط وأفلاطون، ونسب للمنوية وبعض اليهود. وعرف في دولة الإسلام عن السبئية، الذين قالوا: إن عليا حلت روح الإله فيه، وعن البيانية والجناحية والخطابية والراوند من الروافد الحولية، ونسب لبعض القدرية كأحمد ابن خابط ومن تابعه. وينظر في ذلك الفرق بين الفرق للبغدادي.
[ ١ / ٦٣ ]
(و) يقول ابن جزم في كتابه الفصل: ومن شنعهم- بعني الشاعرة- قول هذا الباقلاني في كتابه المعروف بالانتصار لنقل القرآن: "إن تقسيم آيات القرآن وترتيب مواضع سوره شيء فعله الناس، وليس من عند الله، ولا من أمر رسول الله ﷺ ".
والموجود في مخطوطة الانتصار اللوحة الرابعة: "ترتيب الآيات أمر واجب، وحكم لازم، فقد كان جبريل يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا، وأن ترتيبه ونظمه ثابت علي ما نظمه الله تعالي ورتبه عليه رسوله م آي السور، لم يقد من ذلك آي كل سورة ومواضعها، وعرفت مواقعها، كما ضبطت منه نفس القراءات، وأنه يمكن أن يكون الرسول ﷺ قد رتب سوره علي ما انطوي عليه مصحف عثمان، ويمكن أن يكون قد وكل ذلك إلي الأمة بعده، ولم يتول ذلك بنفسه، وأن هذا القول الثاني أقرب وأشبه أن يكون حقًا".
فالباقلاني يري أن ترتيب الآيات في السور توقيفي من الرسول ﷺ من غير شك. ونقل الإجماع علي ذلك الزركشي في البرهان، وحكاه السيوطي في الإتقان وإنما الخلاف في ترتيب السور، فذكر السيوطي علي أن جمهور العلماء غلي أنه اجتهاد من أصحابه، ولذا اختلف مصاحف الصحابة في ترتيبها، وقد ذكر السيوطي في الإتقان وجه الاختلاف بين مصاحف الصحابة في الترتيب، وبين أن للقاضي الباقلاني فيها قولان.
[ ١ / ٦٤ ]
وأقول: ما مبرر التشنيع علي إمام اختار قولًا قال به معظم علماء، وله ذلك أدلة مقنعة؟.
(ز) نقل ابن حزم في الفصل عن الباقلاني أنه يقول: "جائز أن يكون في هذه الأمة من هو أفضل من رسول الله ﷺ ".
والذي وجدته في التمهيد للباقلاني في معرض الرد علي البراهمة الجاحدين للرسل:: "ثم يقال له: ما أنكرتم علي من قال من مثبتي نبوة الرسل أن الله تعالي ليس يفضل احد الشخصين علي الآخر المجانس له ابتداء، ولا لأجل جنسه، ولكن لأجل أنه مستحق للتفضيل بالرسالة وغيرها بعلمه والإخلاص في الاجتهاد فيكون التفضيل بالرسالة إذا أراد الله سبحان إرسال بعض عباده إلي باقي، لأنه أفضلهم وأكثرهم عملًا".
ويقول الإيجي في المواقف: "وأفضل الناس بعد رسول الله هو عندنا- يعني الشاعرة- وعند أكثر قدماء المعتزلة أبو بكر الصديق".
وابن حزم لم يبن أين وجد ما نقله حتي تعلم صحته من سقمه، مع أن ما وجدناه في التمهيد والمواقف يخالفه، فيغلب علي الظن أن ما نقله ابن حزم هو وهم أو تجنبي دفعته إليه سجيته. والله أعلم.
(ح) يقول ابن حزم في الفصل: "ومن العجيب أن هذا النذل الباقلاني قطع بأن داود خالف الإجماع في قوله بإبطال القياس. أفلا يستحي هذا الجاهل من أن يصف العلماء بصفته مع عظيم جهله؟ ولكن من يضلل الله فلا هادي له".
[ ١ / ٦٥ ]
ولعل هذا هو السر في هجوم ابن حزم علي الباقلاني علي الخصوص والشاعرة علي العموم. ولكن الأمر لم يقف علي الشاعرة والباقلاني، فالسب والشتم والطعن لم يفلت فيه من لسان ابن حزم إلا النادر من علماء الأمة. وقد بين العلماء حاله، وحذروا من النظر في كتبه، ومن ذلك:
١ - قال ابن السبكي في طبقاته عن كتاب الفصل:"كتابة هذا من أشهر كتبه، وما برح المحققون من أصحابنا ينهون عن النظر فيه لما فيه من الازدراء بأهل السنة".
٢ - قال ابن العماد في شذرات الذهب: كان ابن حزم كثير الوقوع في العلماء المتقدمين لا يكاد يسلم أحد من لسانه، فنفرت منه القلوب، واستهدفت الفقهاء وقته، فتمالؤا علي بغضه، وردوا قوله، وأجمعوا علي تضليله، وشنعوا عليه، وحذروا سلاطينهم من قتنتة، ونهوا عواملهم عن الدنو منه، والأخذ عنه، فأقصته الملوك وشردته عن بلاده. ونقل عن "العريف" قوله المشهور: "كلن لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين".
٣ - نقل سعيد الأفغاني في كتابه ابن حزم الأندلسي عن أبي بكر ابن العربي أنه قل: "نشأ ابن حزم وتعلق بمذهب الشافعي، ثم انتسب إلي داود، ثم خلع الكل، واستقل بنفسه، وزعم أنه إمام الأئمة، يضع ويرفع، ويحكم ويشرع، وينسب إلي دين الله مالي منه، ويقول عن العلماء مال يقولوا، تنفيرا للقلوب عنهم".
٤ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: "ابن حزم خالط من أقوال الفلاسفة والمعتزلة في مسائل الصفات ما صرفه عن موافقة أهل
[ ١ / ٦٦ ]
الحديث في معاني مذهبهم إلي أن قال: مضموما إلي ذلك كلامه من الوقيعة في الأكابر، والإسراف في نفي المعاني، ودعوي متابعة الظواهر".
٥ - نقل لشوكاني في إرشاد الفحول عن شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- أنه وصف ابن حزم بالمكابرة، لأنه أنكر حجية مفهوم الموافقة.
ولعل من أسباب افتراءات ابن حزم علي الباقلاني موقفه من أهل الظاهر. فقد إمام الحرمين في البرهان قوله الباقلاني في أهل الظاهر وهو: هؤلاء داود وطائفة من أصحابه، وقد قال القاضي لا يعتد بخلاف هؤلاء، ولا يتخرق الإجماع بخروجهم عنه، وليسوا معدودين من علماء الشريعة".
وقال أبوا إسحاق الشيرازي في شرح اللمعة: " كان أبو بكر الباقلاني يقول: نحن نفسق نفاه القياس، فإنهم مخالفون إجماع الصحابة بنفي القياس".
وقال العطار في حاشيته علي شرح جمع الجوامع: "قال حبر الأصول أبو بكر الباقلاني: "إني لا أعدهم من علماء الأمة، ولا أبالي بخلافهم ولا فارقهم".
٥ - وممن طعن في الباقلاني الدكتور عبد الرحمن بدوي المعاصر ذكر في كتابة "مذاهب الإسلاميين": "إن الباقلاني لم يتعلم اصطلاحات أهل المنطق، ثم علل ذلك بأنه راجع إلي قلة بضاعته إن لم يكن جهله التام بالفلسفة الأرسطية بخاصة، والفلسفة اليونانية بعامة".
[ ١ / ٦٧ ]
وهذا الكلام من تطاول الأقزام على العمالقة. فالباقلاني له كتب في نقض المنطق الارسطوطاليسي، وليس هو الوحيد في ذلك، فقد سلك هذا المسلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وألف في ذلك كتابين هما: «نقض المنطق» طبع بعناية الشيخ محمد حامد الفقي. وكتابه «الرد على المنطقيين» طبع برعاية إدارة ترجمان السنة في باكستان. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه «موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول» «أن أبا بكر بن العربي وضع قانونًا مبنيًا على طريقة القاضي أبي بكر الباقلاني» وذكر ابن القيم في كتابه «مفتاح دار السعادة» في معرض نقض المنطق: «ووقفت على رد متكلمي الإسلام عليه، وتبين فساده وتناقصه من أهل الكلام والعربية كالقاضي أبي بكر بن الطيب، والقاضي عبدا لجبار والجنائي وابنه وأبي المعالي، وخلق لا يحصون كثرة».
فشيخ الإسلام ابن تيمية ذكر أن له طريقة تنسب إليه. وابن القيم نقل أنه نقض المنطق الارسطوطاليسي، وكيف يمكنه نقضه بدون علمه بدقائقه؟ هذا ما وجدته مما قيل في الباقلاني مدحًا وثناء، وطعنا وذمًا. فما ورد مفصلًا مبررًا وظهر لنا غيره أجبنا عنه بما وجدناه في كتبه أو كتب أصحابه، وحكمت على ما قيل بالرد مع ذكر الدليل على فساد ما نسب إليه، لأنه يجب على المسلم أن يذب عن أعراض المسلمين ما استطاع لذلك سبيلًا.
والذي ظهر لي أن طعن ابن حزم، وأبو حيان التوحيدي، وأبو علي ألأهوازي، والدكتور عبد الرحمن بدوي كله باطل بل فيه افتراء متعمد من بعضهم لعدم الأمانة في النقل عنه. ويلتمس العذر لبعضهم بالجهل في حقيقة ما عليه الباقلاني.
[ ١ / ٦٨ ]
وأما ما ذكره شيخ الشافعية أبو حامد الاسفرائيني في نقده للباقلاني ووصفه بالابتداع وتبرؤه من معتقده. فهي مسألة وافق فيها أبو بكر الباقلاني عامة الشاعرة بناء على تقسيمهم الكلام إلى نفسي وإلى صوت وحرف. بل هي أعظم مسألة خالف فيها الشاعرة طريقة السلف. وللإسفرائيني حق في إنكاره على من يخالفه. ولكن قد لا يكون الحق معه في الأسلوب الذي اختاره وما من عالم من علماء الأمة إلا وله وعليه، لعدم ثبوت العصمة لأحد من البشر عدا رسل الله وسلامه عليهم.
[ ١ / ٦٩ ]
المبحث العاشر