والمستدل على الأحكام بها
اعلموا- وفقكم الله- أن جميع ما يستدل به على الأحكام على ضربين:
فضرب منها، أدلة يوصل صحيح النظر فيها إلى العلم بحقيقة المنظور فيه. وما هذه حاله موصوف بأنه دليل على قول جميع مثبتي النظر وباتفاق المتكلمين والفقهاء، وقد دخل في ذلك جميع أدلة العقول المتوصل بها إلى العلم بحقائق الأشياء وأحكامها وسائر القضايا العقلية. ودخل فيه جميع أدلة السمع الموجبة للقطع وللعلم من نصوص الكتاب والسنة/ ص ٢٣
[ ١ / ٢٢١ ]
ومفهومهما ولحنهما، وإجماع الأمة، والمتواتر من الأخبار، وأفعال الرسول ﷺ الواقعة موقع البيان، وكل طريق من طرق السمع يوصل النظر فيه إلى العلم بحكم الشرع، دون غلبة الظن.
والضرب الثاني، أمر يوصل النظر فيه إلى الظن وغالب الظن ويوصف هذا الضرب بأنه أمارة على الحكم، ويخص بهذه التسمية للفرق بينه وبين ما يؤدي النظر فيه إلى العلم والقطع، وهذا تواضع من الفقهاء والمتكلمين،
[ ١ / ٢٢٢ ]
وليس من موجب اللغة، لأن أهلها لا يفرقون بين الأمارة والدلالة والسمة والعلامة.
ومرادنا بقولنا في هذا الضرب الذي يقع عند النظر في غالب الظن أنه طريق للظن او موصل أو مؤدي إليه أنه مما يقع الظن عنده مبتدءًا، لا أنه طريق إليه كالنظر في الدليل القاطع الذي هو طريق إلى العلم بمدلوله، وإنما نتجوز بقولنا "يوصل ويؤدي وأنه طريق للظن ". وهذا الضرب الذي يؤدي النظر فيه إلى الظن على ضربين:
فمنه، ما لا أصل له معين، نحو النظر والاجتهاد في جزاء الصيد وقيمة المثل وأرش الجنايات وقيم المتلفات ونفقات الزوجات والاجتهاد في عدالة الأئمة والقضاة والشهود، وأمثال ذلك مما لا أصل له معين يرد إليه ويقاس عليه، كقياس النبيذ على الخمر، والأرز في تحريم التفاضل على البر بعلة جامعة بينهما ومحققوا النافين للقياس مقرون بصحة هذه الأمارات ووجوب الحكم بما يؤدي النظر والاجتهاد فيها إليه.
[ ١ / ٢٢٣ ]
فصل
فالكل من أهل العلم قد اتفقوا على أن هذه الأمارات عقلية من حيث كان الرجوع فيها إلى العادات المعقولة وإلى القيم المعروفة وإلى مماثلة الصور وقدر الحاجات في الأقوات، وما يعرف به من الأحوال عدالة الأئمة والقضاة والولاة والشهود ظاهرًا، فكل هذا عقلي والحكم المعلق عليه شرعي من إيجاب النفقة وقيمة الأرش وجزاء الصيد والحكم بالشهادة وما جرى مجرى ذلك.
فصل
والضرب الآخر، نظر فيما ل أصل معين فمنه ما/ ص ٢٤ يوصف أنه قياس،
وهو الاستدلال على ثبوت الحكم في الفرع بعلة الأصل بعد ثبوته وقيام الدليل على تعليله، إما بنص على علته يوجب العلم بها، أو استثارة لها تقتضي غلبة الظن لكونها علة ثم وجوب الحكم بأنها علة الأصل بعد غلبة الظن لذلك.
والقياس عندنا في الحقيقة هو نفس "حمل الفرع على حكم الأصل بالوجه الجامع بينهما ". فالقياس نتيجة الاستدلال على العلة والعلم
[ ١ / ٢٢٤ ]
بها، وسنذكر في باب أحكام العلل تفصيل طرق الأدلة والأمارات على صحة العلة من التقسيم والمقابلة والطرد والجريان عند من رأى ذلك دليلًا، إلى غير ذلك.
ومن ذلك- أيضًا- الاستدلال بأصل معين من لغة أو حكم ثابت في الشرع دال على المراد، نحو قوله تعالى: ﴿إلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وقوله تعالى: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وإنه زمن الحيض أو الطهر، وهل العفو إلى الزوج أو الولي، وذلك من باب الاجتهاد الذي يسوغ فيه الخلاف، وليس من باب حمل الفرع على الأصل بالعلة.
فصل
فأما من زعم أن الاستدلال على الحكم وموضع الحكم ليس بقياس، وأنه استدلال، فإنه لكونه استدلالًا جاز إثبات الدود والكفارات به، ولا يجوز إثباتها بقياس، فإنه باطل إذا سئلوا عن تفسيره، لأنهم إنما يذكرون فيه قياسًا محضًا ظاهرًا، لأنهم قد قالوا: هو نحو الاستدلال على وجوب الكفارة على الأكل عامدًا في نهار رمضان لا بجنس الأكل، لكن
[ ١ / ٢٢٥ ]
لاختصاصه بأنه مفسد لصوم عين رمضان على وجه يستحق به مأثم مخصوص مع انتفاء الشبهة عنه في خروج اليوم أو كون الصوم وقت الوطء مستحقًا، فأشبه الأكل عامدًا الوطء لمشاركته له في هتك حرمة اليوم. وانتفاء الشبهة وحصول مأثم عظيم. وهذا نفس القياس ورد للأكل على الوطء بمعان جامعة بينهما، وبمثابة رد الأرز/ ص ٢٥ على البر والنبيذ على الخمر بالمعنى، لأن التحريم فيهما لم يجب للجنس، وإنما وجب لمعنى يشتركان فيه، وقد بينا من قبل أن القياس "إنما هو حمل الفرع على الأصل بوجه ما". وقد حملوا الأكل عامدًا على الوطء في إيجاب الكفارة بوجه، فوجب أن يكون ذلك قياسًا، وسنبين فيما بعد أن المطلوب بطرق الاجتهاد الظن لثبوت الحكم وغالب الظن.
فإذا جاز إثبات الحدود والكفارات بمثل هذا الاستدلال، وهو موجب لغالب الظن دون العلم لجواز الخلاف والاجتهاد فيه صح أيضًا. وجاز إثباتها بطريق القياس على العلة، لأنه أقوى وأثبت من هذه الطريقة، ولا وجه
[ ١ / ٢٢٦ ]
لفصلهم في ذلك بين استدلال وقياس يوجبان غالب الظن دون العلم، فبطل ما قالوه.
وأما قولهم، إنما نعمل القياس في موضع الحد والكفارة ولا نعلمه في إثباتهما فإنه قول باطل، لأن موضعهما إذا لم يكن معلومًا بطريق يوجب العلم به، وصح أن يجعل بالقياس موضعًا لهما جاز- أيضًا- أن يثبتا بقياس لا يوجب العلم، ونحن نستقصي الكلام في هذا الفصل في فصول القول في القياس وأحكام العلل إن شاء الله.
فصل
وجميع أحكام الأمارات والعلل الشرعية شرعية ثابتة بالسمع دون قضية العقل، لأن العقل لا يوجب حكمًا من أحكام العبادات والعقود على ما ندل عليه من بعد إن شاء الله.
[ ١ / ٢٢٧ ]
باب