المأمور به عليها ليصح الأمر به والنهي عنه
اعلموا أن الصفات التي يكون المأمور به عليها ليصح الأمر به والنهي عنه هي:
أن يكون مما يصح أن يحدث.
أو أن يكون مما يصح اكتسابه.
والثالث: أن يكون معلومًا متميزًا للمأمور مما ليس منه، أو أن يكون في حكم المعلوم للمأمور، بأن يكون المأمور على صفة من يصح أن يعلمه لو نظر واستدل.
والرابع: أن يكون مما يصح كونه مرادًا للمأمور على وجه إذا أريد صار قربة مأمورًا به إذا لم تكن إرادة في نفسه للعمل لله أو مبتدأ بالتكليف وكان مما لا يحصل طاعة وقربة إلا بإرادة الله تعالى به، ويكون جهة في كونه طاعة وعبادة.
[ ١ / ٢٦٢ ]
هذا قدر ما يلزم المأمور به من الصفات حتى يصح الأمر به والنهي عنه، دون جميع ما يدعيه القدرية من أنه:
أولًا: يجب أن يكون له صفة زائدة على حدوثه وحسنه تقتضي الأمر به أو صفة زائدة على حدوثه وصفة قبحه تقتضي النهي عنه.
ثانيًا: وأن يكون شاقًا على المكلف وثقيلًا فعله.
ثالثًا: وأن لا يكون حادثًا.
رابعًا: أن لا يكون وقته حاضرًا.
خامسًا: ولا أن يكون منقضيًا ماضيًا.
سادسًا: وأن تكون القدرة عليه موجودة.
سابعًا: وأن يكون المكلف عليه قادرًا.
ثامنًا: وأن يشترط فيه أن لا يكون المأمور عليه مكرهًا وإليه ملجأ.
تاسعًا: وأن يكون مردًا للآمر به المكلف لفعله.
عاشرًا: ومما يقصد به إثابة المأمور وتعريضه لنفع وثواب يصل إليه.
أحد عشر: وأن لا يكون القادر عليه ممنوعًا من فعله بوجود ضد لمقدوره، أو عدم آلة في إيقاعه.
كل هذه الشروط عندنا في صفة المأمور باطلة، فمنها شيء قد تقدم
[ ١ / ٢٦٣ ]
كسر قولهم فيه، نحو صحة دخول فعل المكره تحت التكليف، ومنها ما نبين فساده من بعد ومنها أشياء قد تقصينا نقضها في كتب أصول الديانات تتعلق بالكلام في أحكام الاستطاعة وإعادة الأعراض وبقائها. ويخرجنا الشروع فيه عن غرض الكتاب، وربما لا يكاد يبلغ الفقيه إليها، ونحن نقتصر على ذكر ما لأجله اشترطوا هذه الشرائط الزائدة على ما قلناه، ونقيم الدليل على وجوب قدر ما شرطناه نحن لنقرب الكلام في ذلك.
فأما اشتراطهم له صفة زائدة على حدوثه وحسنه تقتضي الأمر به، ولأجل قولهم إن المباح حادث حسن غير أنه لا صفة له تزيد على حسنه تقتضي فيه الأمر به من كونه لطفًا في فعل حسن في العقل أو اجتناب لقبيح فيه، وكذلك المنهي عنه إنما ينهى عندهم عنه لكونه على صفة في القبح تقتضي النهي عنه زائدة على حدوثه، بأن يكون قبيحًا في نفسه أو داعيًا إلى فعل قبيح في العقل وترك واجب فيه.
وأما اشتراطهم كونه ثقيلًا شاقًا على المكلف فلأجل قولهم: إنه لا يصح التكليف إلا مع الكلفة والمشقة في تحمل الفعل والانصراف، ومتى لم يكن كذلك لم يصح تكليفه.
وأما قولهم: وأن لا يكون حادثًا فلأن الحادث موجود، ومحال عندهم القدرة على موجود، وذلك باطل على قولنا.
[ ١ / ٢٦٤ ]
وأما اشتراطهم ألا يكون وقته حاضرًا، فلأن ما حضر عندهم وقته ولم يفعل استحال فعله في ذلك الوقت مع عدمه فيه، لأن ذلك يوجب كونه معدومًا موجودًا وذلك محال، واستحال - أيضًا - فعله فيما بعد ذلك لكونه مختصًا بالوقت، وذلك باطل عندنا.
وأما قولهم، وأن لا يكون وقته ماضيًا، فلأنه إذا مضى وقته استحال وجوده لاختصاصه - أيضًا - بالوقت إذا كان مما لا يصح بقاؤه.
وأما اشتراطهم أن لا يكون الفعل ماضيًا منقضيًا فلقولهم - أيضًا - إنه يستحيل إعادته وتجدد حدوثه بعد تفصيه إذا كان من أفعال العباد باقيًا أو غير باق، ومما يختص بالوقت وذلك محال عندنا.
وأما اشتراطهم وجود القدرة عليه فلقولهم إن تكليف ما لا قدرة للمكلف عليه من الله تعالى ومنا قبيح، وهذا أيضًا باطل على أصولنا.
وأما اشتراطهم ألا يكون المأمور به مع كونه مقدورًا ممنوعًا منه فلقولهم: إنه القدرة على الفعل قد يجامعها المنع منه وفقد الآلة فيه، وهذا فاسد عندنا.
وأما اشتراطهم رفع الإكراه عليه فلما قدمناه عنهم من استحالة
[ ١ / ٢٦٥ ]
تكليف المكره على الفعل، وقد بينا فساد ذلك.
وأما اشتراطهم كونه مرادًا للآمر به فلقولهم: إنه إنما يكون القول أمرًا به لكونه مرادًا للآمر، وهذا القول باطل لما نبينه من بعد.
وأما اشتراطهم أن يكون فيه نفع وثواب يصل إليه فاعله، فلأجل/ ص ٤١ قولهم بوجوب الثواب على الله تعالى، ووجوب فعل الأصلح لعباده وقصد بالتكليف نفع كل مكلف وإن علم أنه يهلك ويعطب، وهذا الأصل - أيضًا - باطل، وإن كان نافعًا بالتكليف لمن المعلوم من حالة القبول وحسن الطاعة.
هذه المذاهب هي التي دعتهم إلى إلزام المأمور به هذه الشروط، وهي باطلة كلها.
ونحن الآن نذكر الدلالة على قدر ما شرطناه في صفة الفعل.
فأما الدلالة على وجوب كونه مما يصح حدوثه فهو لعلمنا بأن ما يستحيل حدوثه من القديم والباقي، واجتماع الضدين، وقلب الأجناس يمتنع دخوله تحت التكليف، لاستحالة حدوثه.
[ ١ / ٢٦٦ ]
وأما ما يدل على وجوب اشتراط كونه مع حدوثه مما يصح اكتسابه فهو لأنه ليس كل ما حدث يصح أن يقدر عليه العبد ويكون له مكتسبًا أو تاركًا، لأن الأجسام والألوان والقدر والحواس محدثة، وليس مما يصح الأمر به والنهي عنه لاستحالة دخوله تحت قدرة العبد، وإنما قلنا: "وأن يكون مما يصح اكتساب المكلف له"، فلأنه ليس كل شيء يصح أن يكتسب يجوز اكتساب كل مكلف له، لأن كسب زيد لا يصح اكتساب عمرو له، وإن كان مثله ومن جنسه وجنس مقدورات المكلفين لما قام من الدليل على استحالة مقدور لقادرين محدثين وإيجاب ذلك لكونه موجودًا بهما معًا، وذلك محال.
وأما الدلالة على وجوب كون الفعل المأمور به معلومًا للمكلف ومتميزًا له في جنسه وصفته ووقته، وأن الله تعالى هو الآمر به، أو أن يكون في حكم المعلوم المأمور به فهو لأنه إنما أمر أن يوقع الفعل طاعة لله تعالى وقربه إليه، وأن يجتنبه إن كان محرمًا على هذا الوجه، ويقصد الإقدام عليه أو الترك له بعينه، ومحال وقوع هذا القصد والتقرب بالفعل أو تركه إلا من عالم به ومميز له من غيره، ومما أمر الله تعالى به وتعبد بفعله فوجب لذلك كونه معلومًا متميزًا للمكلف لكي يصح قصده إليه أو إلى اجتنابه، أو أن يكون في حكم المعلوم المتميز له، ومعنى ذلك أن تكون الأدلة عليه منصوبة ويمكن النظر، ويكون المكلف على صفة من يصح منه الاستدلال بها وإن كان
[ ١ / ٢٦٧ ]
مع ذلك كافرًا أو جاهلًا بالله وبرسوله، وأنه تعالى مكلف له فعل ذلك، وهذا الشرط مخصوص فيما يجب أن يكون معلومًا للمكلف إذا فعله متقربًا به فأما ما عداه فلا يجب ذلك فيه، على ما سنبينه من بعد.
وأما وجه اشتراط كون المأمور به مما يصح كونه مرادًا بإرادة مؤثرة في كونه عبادة وقربة نحو كون السجود عبادة له تعالى، وما يفعل من الضرب جزاء وقصاصًا واحدًا ومستحقًا، وكون الصلاة واجبة وندبًا، وأمثال ذلك فهو لأن من العبادات ما لا يصح كونه طاعة وقربه دون القصد به إلى التقرب وفعله له تعالى، نحو ما قدمناه، وهو أكثر العبادات.
والذي يصح كونه طاعة وقربة من غير حاجة إلى إرادة له تعالى به النظر والاستدلال الواقع من العبد في مهلة تكليفه، وكذلك سبيل العلم الأول الواقع لحكم النظر في هذا الباب، ونفس الإخلاص بالعمل والإرادة له به، فإنهما لا يحتاجان إلى إرادة هي إخلاص له، لأنه لا يصح أن يريد وجه الله تعالى وطاعته بالنظر في وجوده وتوحيده من ليس بعارف به، ولو أراده بذلك لكان عالمًا به، ولا يستغني عن النظر في دليل عليه، وكذلك الإرادة له بالعمل، ولو لم يخلص كونهما طاعة وقربة إليه إلا بإرادة له بذلك لاحتاج إلى إرادة للإرادة أبدًا إلى غيرها به، وذلك محال، هذا قدر ما يلزم في صفة فعل المكلف من الشروط.
[ ١ / ٢٦٨ ]
وإنما يَشترط وجوبَ حدوث المأمور به وكونه مما يصح أن يكون كسبًا للمكلف ومعلومًا له أو في حكم المعلوم مَنْ يُحيل من أهل الحق من جهة العقل تكليفَ العاجز، ومن لا يصح منه فعل ما كلف وتركه، فأما من أجاز ذلك منهم - وإن لم يرد به سمع ولا تعبد في شرع - فإنه لا يوجب في صحة التكليف منه تعالى هذه الشروط على ما قد بيناه في أحكام الاستطاعة والتكليف من الكلام في الأصول، ولو اختصرت هذه الشروط، فقيل يجب أن يكون من شرط المأمور به أن يكون مما يصح اكتساب المكلف له لكان ذلك كافيًا، وكان في ضمنه صحة حدوثه وصحة كونه معلومًا ومرادًا على وجه تؤثر الإرادة في كونه طاعة لأجل أنه لا يصح أن يكتسب العبد إلا حادثًا، وإلا ما يصح مع حدوثه كونه كسبًا، وإلا ما يصح كونه كسبًا له، وإلا ما يصح كونه مقصودًا ومعلومًا له، غير أنا قد بينا ذلك على أوجز ما يكون من الشرح.
[ ١ / ٢٦٩ ]
باب