إن قال قائل. ما حد العلم؟
قيل له:" حده حد كل أمر محدود هو تفسير وصف المسئول عنه واسمه بقول جامع للمحدود" ومانع من أن يدخل فيه ما ليس منه، أو أن يخرج منه ما هو منه، ويكون سامعه أقرب عند سماعه إلى معرفة معنى ما يسأل عنه". هذا هو حد كل محدود.
وإذا كان ذلك كذلك وجب أن يكون حد العلم أنه:" معرفة المعلوم على ما هو به" وإن حد بأنه" تبين المعلوم على ما هو
[ ١ / ١٧٤ ]
به" جاز ذلك، لأن هذين الحدين يحيطان بجميع العلوم، فلا يدخلان فيها ما ليس منها، ولا يخرجان منها وما هو منها- والحد إذا أبان المحدود مما ليس منه، ودار وانعكس، ولم ينتقض من أحد طرفيه كان صحيحا ثابتا.
وقد حده بعض أصحابنا بأنه" إثبات ⦗٤⦘ المعلوم على ما هو به"
وقال آخرون، بل هو" إدراك المعلوم على ما هو به"
[ ١ / ١٧٥ ]
وقيل:" الثقة بأن المعلوم على ما هو به"
وقيل:"ما يستحق أن يشتق للعالم منه اسم عالم"
تحديده بما قدمه ذكره كاف صحيح. وقد شرحنا القول في هذه الحدود، وأخبرنا عن المختار منها في غير هذا الكتاب بما يغني الناظر فيه إن شاء الله وقد يصح تحديد الأمر المحدود بحدين وأكثر من ذلك، إذا كانا- في حصره وإبانته عما ليس منه- يجريان مجرى واحد، إلا أنها تفسيران لوصفه وتسميته.
وقولنا"إنه معرفة المعلوم على ما هو به أو إدراكه أو تبيينه أو إثباته إنما يستعمل على وجه التأكيد، وحذف القول على ما هو به غير مخل
[ ١ / ١٧٦ ]
بصحة الحد، لأن العلم لا يصح أن يتعلق بالمعلوم- ويكون تبينا له أو معرفة أو إدراكا أو إثباتا له- إلا على ما هو به. ولو تعلق به على ما ليس هو به لكان جهلا، وخرج عن كونه علما، فيصح لذلك أن يقال: حده أنه معرفة المعلوم أو تبين أو إثبات أو إدراك من غير أن يقال على ما هو به. فإن قيل ذلك فعلى وجه الزيادة في البيان والتأكيد.
فإن قيل" ولم عدلتم عن القول بأنه معرفة الشيء أو تبينه أو إثباته إلى القول بأنه معرفة المعلوم؟
قيل له: لأجل أن القول معلوم أعم من القول شيء، لأن الشيء لا يكون إلا موجودا، والمعلوم يكون معدوما وموجودا. ويعلم المعدوم معدوما كما يعلم الموجود موجودا. وقد ثبت أن المعدوم منتف ليس بشيء.
وإذا قيل: حده أنه معرفة الشيء أو إثباته أو تبينه خرج العلم بالمعدوم الذي ليس بشيء عن أن يكون علما وانتقض الحد، لأنه علم بما ليس بشيء فوجبت الرغبة لما ذكرناه عن ذكر الشيء إلى ذكر المعلوم.
[ ١ / ١٧٧ ]
فصل