وهل هو داخل تحت التكليف أم لا؟
فإن قال قائل: ما حد المباح ومعنى وصفه بذلك؟
قيل له: حده إنه "ما ورد الإذن من الله تعالى فيه وتركه غير مقرون بأمر بذم فاعله أو مدحه، ولا بذم تاركه ولا بمدحه" ولا يحتاج في ذلك إلى القول: "غير مقترن بوعد على فعله بثواب أو على تركه بعقاب" لأن الله تعالى لو أوجب علينا فعلًا/ ص ٥٣ أو حرمه علينا من غير وعد بثواب عليه أو عقاب على تركه لكان واجبًا أو محرمًا بإيجابه وتحريمه وإن لم يكن فيه ثواب ولا عقاب، فإذا قلنا هو المأذون من قبل الله تعالى في فعله، على هذا الوجه فصلنا بينه وبين فعل الله، لأنه ليس بمأذون له فيه، وبين الواجب والندب من أفعالنا وبين أفعال الأطفال والبهائم والمجانين، لأنها غير مأذون لهم فيها.
ويصح أن يحد المباح بأنه: "ما أعلم فاعله من جهة السمع أنه لا نفع
[ ١ / ٢٨٨ ]
له في فعله ولا ضرر عليه في تركه من حيث هو ترك له". وهذا - أيضًا - حد يفصله من فعل القديم، وفعل كل من ليس بمكلف، لأنه تعالى غير معلم بحكم ذلك من فعله من جهة سمع، ولا من ذكرنا حاله ممن ليس لمكلف من المنتقصين.
فإن قيل: ما معنى قولكم: ما أعلم فاعله ذلك من حكمه من جهة السمع؟
قيل له: لأن العاقل يعلم أنه لا ضرر عليه في ترك الفعل ولا نفع له فيه من جهة العقل، ولا يوصف فعله بأنه مباح.
فإن قيل: فما معنى قولكم: حده ما أعلم فاعله أنه لا ضرر عليه في تركه من حيث هو ترك له.
قيل له: لأجل أنه لو ترك تارك المباح بفعل المعصية الحرام لكان معاقبًا على ذلك ومستضرًا به، لا من حيث كان تاركًا للمباح ولكن من حيث كان في نفسه محظورًا.
وقد حد كثير من الناس المباح بأنه "ما كان فعله وتركه سيان" وهذا باطل، لأنه يوجب كون فعل القديم تعالى مباحًا، لأن فعله وتركه سيان في أنه لا نفع له ولا ضرر عليه في فعله ولا تركه إن كانوا أرادوا بتساويهما هذا الوجه، وإن أرادوا تساويهما في المصلحة، فذلك - أيضًا - باطل، لأنه قد تستوي كثير من أفعال القديم وتروكها وأضدادها في المصلحة، فيجب كون
[ ١ / ٢٨٩ ]
فعله مباحًا، وذلك باطل باتفاق، ويبطل ذلك بعلمنا بأن أفعال المكلفين قبل السمع قد تستوي وتروكها في عروها من نفع وضرر ولا تكون مباحة، وكذلك أفعال البهائم والمنتقصين.
[ ١ / ٢٩٠ ]
باب