فإن قال قائل. ما حقيقة الفقه؟
قيل: الفقه في حقيقة اللغة هو العلو، ولا تفصل العرب في كلامها بين قول القائل: فقهت الشيء وبين قوله علمته" بيد أن أرباب الشرائع خصصوه بضروب من العلوم تواضعا واصطلاحا.
فالفقه إذا في مواضعة الفقهاء والمتكلمين هو" العلم بأحكام أفعال المكلفين الشرعية التي يتوصل إليها بالنظر دون العقلية" نحو
[ ١ / ١٧١ ]
التحريم والتحليل والإيجاب والإباحة والندب، وإجزاء الفرض، أو لزم قضائه، وصحة العقد وفساده ووجوب غرم، وضمان قيمة متلف وجناية، إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية.
وقد يعرف هذه الأحكام من لا يعرف أحكام فعل المكلف العقلية، من نحو كونه عرضا وجنسا مخصوصا ومخالفته للأجسام، إلى غير ذلك من الأحكام المعلومة بقضية العقل، ويعرف هذه القضايا العقلية من لا يعرف أحكام الفعل الشرعية، وما يجزئ منه ومالا يجزئ وما يملك به من العقود وينفذ، وما لا يملك به، إلى غير ذلك. ولا خلاف في أن إطلاق اسم الفقه لا يجري على العلم بالنحو والطب والفلسفة، وأن إطلاق اسم الفقيه لا يجري على أحد من العلماء بهذه العلوم في عرف الاستعمال. وإنما يجري على العالم بأحكام أفعال المكلفين الشرعية.
فصل
فأما أصول الفقه فهي: " العلوم التي هي أصول العلم بأحكام أفعال المكلفين". وقد علم أن العلم بهذه الأحكام لا يحصل إلا عن نظر في أدلة قاطعة وأمارات، يؤدي النظر فيها إلى حصول العلم بأحكام فعل المكلف، إما غن الدليل القاطع بغير توسط غلبة ظن ذلك، أو بتوسط غلبة الظن بحصول الحكم، على ما سنشرحه من بعد، فيجب أن تكون العلوم التي تبنى عليها
[ ١ / ١٧٢ ]
العلوم بالفقه هي أصول الفقه، وأن تكون الأدلة التي يتوصل بالنظر فيها إلى العلم بأحكام أفعال المكلفين أصول العلم بها، من حيث لم يمكن العلم بها دون حصولها، وحصول العلوم التي بحصولها يمكن النظر في تلك الأدلة على مراتبها، وليس يمكن النظر في أدلة الفقه مع عدم تلك العلوم، ولا يمكن ⦗٣⦘ التوصل بكمال العقل والعلم بالتوحيد والنبوة وما يتصل بذلك إلى العلم بأحكام المكلفين، لو لم ينصب الأدلة عليها من الخطاب في الكتاب والسنة والإجماع والمودع في ذلك من معاينة المعلق بها الأحكام، فيجب لذلك أن يكون ما ذكرناه هو أصول الفقه وسنشرح ذلك ونرتبه على واجبه في مواضعه. إن شاء الله.
فصل آخر يجب العلم به
اعلموا- وفقكم الله- أن الذي يجب البداية بذكر ما هيته وحده وأقسامه ومراتيه"هو" العلم وما يتصل ببابه. والدليل على وجوب هذا الترتيب أن كل ما تنعم فيه مما عدا العلم ويخبر عن حده وماهيته من معدوم وموجود، وقديم ومحدث، وحد ومحدود، ودليل ومدلول عليه، وحكم عقلي وشرعي، وعلة ذلك ودليلة، وعبارة ومعبرة عنه إنما هو ضرب من ضروب المعلومات، وبعض متعلقات العلم، ولن يتوصل إلى تفصيل حقائق المعلومات إلا بعد معرفة العلوم وأقسامها ومراتبها، أو الفرق بينها وبين ما ليس منها، ليعلم المتكلم على بعض تلك المعلومات أته عالم بما يخبر عنه، وأن ذلك الأمر معلوم له.
[ ١ / ١٧٣ ]
باب